لطالما كانت قلعة ماسبيرو، الشامخة على ضفاف النيل، أكثر من مجرد مبنى للإذاعة والتلفزيون؛ فقد مثلت لعقود طويلة مستودعًا للهوية المصرية، وحارسًا للوعي الوطني، ومنارةً أسهمت في تشكيل وجدان أجيال متعاقبة في مصر والعالم العربي. وفي زمن تتسارع فيه منصات الإعلام الرقمي، وتتزاحم فيه الرسائل والمحتويات، تبرز الحاجة إلى استعادة الدور الحضاري لماسبيرو، ليس باعتباره حنينًا إلى الماضي، وإنما باعتباره مشروعًا وطنيًا يسهم في بناء الإنسان وترسيخ الهوية وصون الأمن الثقافي.
أولًا: رؤية القيادة السياسية… دعم لماسبيرو باعتباره قضية أمن قومي:
يحظى مبنى ماسبيرو باهتمام واضح من القيادة السياسية، انطلاقًا من إدراك الدولة لأهمية الإعلام الوطني في معركة بناء الوعي. وقد أكد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة أن الإعلام الوطني يمثل أحد ركائز الأمن القومي، وأن الحفاظ على دوره التاريخي ضرورة لا غنى عنها.
ومن أبرز ما جاء في هذا السياق قوله:
“مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) والفضائيات المصرية يمثل أمنًا قوميًا مصريًا، ولا يُقبل أو يُسمح بأن يوقف بثه لمجرد دقيقة واحدة.”
ولم يقتصر الاهتمام على استمرار البث، بل امتد إلى توجيهات واضحة بالحفاظ على التراث الإذاعي والتلفزيوني، ورقمنة الأرشيف التاريخي، وإنشاء منصة عالمية لإذاعة القرآن الكريم تحفظ تراث كبار القراء والمبتهلين، بما يعكس إيمان الدولة بأن حماية الذاكرة الوطنية جزء لا يتجزأ من حماية المستقبل.
ثانيًا: منارة العلم والإيمان… بناء العقل وتنمية الفكر
قدم ماسبيرو عبر تاريخه برامج علمية وثقافية تركت أثرًا عميقًا في تشكيل الوعي، حيث استطاعت الجمع بين المعرفة والتشويق، وربط المواطن بالعلم والحضارة.
ومن أبرز هذه البرامج:
- العلم والإيمان للدكتور مصطفى محمود، الذي مزج بين الإيمان والعلم في تجربة فريدة.
- عالم البحار للدكتور حامد جوهر، الذي عرّف المشاهد بعالم البحار والطبيعة بأسلوب علمي مبسط.
- سينما القاهرة، الذي فتح آفاقًا واسعة للتعرف على الثقافات العالمية والفنون الراقية.
وتمثل إعادة إنتاج هذه النوعية من البرامج برؤية عصرية استثمارًا حقيقيًا في بناء العقل المصري، وترسيخ ثقافة البحث والمعرفة لدى الأجيال الجديدة.
ثالثًا: شاشة التسامح… ترسيخ الوسطية ومحاربة التطرف:
كان التلفزيون المصري على الدوام أحد أهم منابر نشر الفكر الإسلامي الوسطي، وتقديم خطاب ديني مستنير يعزز قيم التسامح والاعتدال.
ومن أشهر برامجه في هذا المجال:
- نور على نور للإعلامي أحمد فراج، الذي استضاف كبار علماء الأزهر والعالم الإسلامي.
- حديث الروح، الذي رسخ القيم الإنسانية والإيمانية الرفيعة.
- خواطر الإمام محمد متولي الشعراوي، التي قربت معاني القرآن الكريم إلى ملايين المشاهدين بأسلوب مبسط وعميق.
وقد أسهم هذا الخطاب في تحصين المجتمع، وتعزيز ثقافة الاعتدال، والحد من تأثير الأفكار المتشددة.
رابعًا: الترفيه الراقي… متعة تحترم قيم المجتمع:
لم يكن الإعلام الرسمي يومًا معاديًا للترفيه، بل قدم نموذجًا يجمع بين المتعة والالتزام بالقيم المجتمعية، في إطار من المسؤولية المهنية.
ومن أبرز البرامج التي جسدت هذا التوجه:
- اخترنا لك.
- نادي السينما.
- تاكسي السهرة.
وقد أثبتت هذه التجارب أن الترفيه الحقيقي لا يتعارض مع الذوق العام، وأن الفن قادر على الجمع بين الإبداع والرسالة.
خامسًا: الدراما الوطنية… توثيق البطولات وتعزيز الانتماء:
شكلت الدراما التي أنتجها التلفزيون المصري أحد أهم أدوات ترسيخ الانتماء الوطني، من خلال تقديم بطولات القوات المسلحة وأجهزة الدولة، واستلهام قصص حقيقية جسدت التضحية والفداء.
ومن أبرز هذه الأعمال:
- رأفت الهجان.
- دموع في عيون وقحة.
- الطريق إلى إيلات.
وقد أسهمت هذه الأعمال في تعريف الأجيال بتاريخ وطنهم، وغرس قيم الولاء والانتماء والاستعداد للدفاع عن الوطن.
سادسًا: أدب الحوار… مدرسة الإعلام المهني:
من أبرز ما ميز ماسبيرو أنه قدم نموذجًا راقيًا للحوار الإعلامي، حيث ارتبطت شاشته بأسماء صنعت مدرسة مهنية قائمة على الاحترام والموضوعية، مثل مفيد فوزي، وحمدي قنديل، وطارق حبيب، وأماني ناشد.
واتسمت هذه المدرسة بعدة خصائص، أهمها:
- احترام الضيف وإتاحة الفرصة الكاملة لعرض وجهة نظره.
- التركيز على عمق الفكرة بدلاً من الإثارة.
- استخدام لغة عربية رصينة تعزز ثقافة الحوار والاختلاف الحضاري.
ولم تكن هذه البرامج مجرد لقاءات إعلامية، بل أسهمت في غرس قيم احترام العلم، وتقدير الرموز الوطنية، وترسيخ ثقافة الحوار المسؤول.

