التخطي إلى المحتوى
تجارة الدم والعملة الأجنبية.. مأساة حادث الإسماعيلية تكشف أبواق الفتنة وتُسترد بوعي المصريين

​لا تتورع خفافيش الظلام عن امتصاص دماء الأزمات، ولا تخجل عواصم الضباب من احتضان المرتزقة؛ ففي الوقت الذي خيّمت فيه لوعة الحزن على مصر جراء “فاجعة الإسماعيلية” المؤلمة، التي راح ضحيتها أطفال في عمر الزهور، انطلقت الآلة الإعلامية المسمومة بالخارج لتنفيذ مخطط قذر وممنهج.

لم يكن تحركهم حزناً على الطفولة المكلومة، بل استثماراً سياسياً رخيصاً لمحاولة إشعال الاحتقان ضد مؤسسات الدولة، مستغلين المشاعر الإنسانية لتزييف الحقيقة والادعاء بأن ضعف الحالة الاقتصادية هو المقصلة التي دفعت الصغار للعمل.

​لكن هؤلاء الخونة، ممن يحملون جنسية “العملة الأجنبية” وليس الجنسية المصرية ويصرون على تمويلات الخراب، غفلوا عن طبيعة الجينات المصرية؛

فالعمل صيفاً لم يكن يوماً في عُرفنا مظهراً للعوز أو القهر، بل هو مدرسة وطنية راسخة لبناء الرجال وزرع المسؤولية، صقلت طفولة عمالقة قادوا الأمة نحو المجد، وفخروا بعرق جبينهم لما وصلوا له من مكانة علمية وأدبية عالمية لعبقريتهم؛

​إذا رجعنا بالذاكرة إلى ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وحتى ألفيتنا الحالية، سنجد أن مشاركة الأبناء في العمل والإنتاج خلال الإجازات المدرسية والجامعية كانت طقساً تربوياً وأصالة ريفية وحضرية لبناء شاب مسؤول يعتمد على نفسه ويقدر قيمة المال الحلال والتاريخ المصري يزخر بأمثلة صقلها الكد الصغير في طفولتها.

​فهذا الكد النبيل لم يكن يوماً نتاج عوزٍ مدقع أو سياط فقر، بل كان فلسفة اجتماعية عميقة تؤمن بأن “الرجال تصنعهم الشدائد لا الرفاهية”؛

حيث كانت الأسر بمختلف مستوياتها المادية تدفع بأبنائها إلى معترك الحياة الصيفية ليتعلموا أن الرزق عرق، وأن الكرامة كفاح، وأن قيمة المرء تحددها إنتاجيته لا اتكاليته.

​لقد كان العمل الصيفي صمام أمان أخلاقي وتربوي يحمي طاقات الشباب من الفراغ والانحراف، ويغرس في نفوسهم عزة النفس والاعتماد على الذات منذ الصغر، ليتحول ذلك الشقاء المؤقت إلى طاقة نور تصقل وعيهم وتبني جدار حمايتهم النفسية لمواجهة المستقبل، وهو المفهوم الأصيل الذي تحاول الأبواق المغرضة اليوم طمسه وتزييفه لتصوير شرف السعي وكأنه جريمة اقتصادية.

​ولم تكن تلك الثقافة التربوية يوماً عشوائية، بل كانت مدعومة بمنظومة وطنية رائدة تلاحمت فيها جهود بعض رجال الأعمال ونواب مجالس (الشعب، الشورى، النواب والشيوخ حالياً)؛

فمنذ ثمانينات وتسعينات القرن الماضي عبر مبادرات “التدريب الإنتاجي الصيفي المأجور” لرواد مثل محمود العربي، ومحمد فريد خميس، وأحمد بهجت، وصولاً للطفرة المؤسسية الكبرى والممتدة حتى عام 2026 عبر “المدارس التكنولوجية التطبيقية” و”المنح الجامعية المدفوعة” برعاية بعض رجال الأعمال مثل أحمد السويدي، ورؤوف غبور، وهشام طلعت مصطفى، ونجيب ساويرس، ومحمد فرج عامر، ومحمد منصور.

وتكاملت هذه الملحمة مع المشرّع البرلماني لصياغة “عقود تدريب إلزامية” تضمن حقوق الطلاب مالياً وتأمينياً طوال فترة الصيف، لتتحول طاقة الكد إلى وسام شرف وبناء، لا أداة استغلال.

​ولأن دماء أبنائنا غالية، ولتفويت الفرصة نهائياً على المتربصين، يتطلع المجتمع اليوم لإستراتيجية وطنية عاجلة تتجاوز الحلول التقليدية عبر خمسة محاور:

  1. التوسع في المبادرات الصيفية الآمنة وضم قطاع أوسع من رجال الأعمال والمستثمرين لزيادة الفرص التدريبية المأجورة.
  1. إشراك وزارة الشباب والرياضة عبر استغلال البنية التحتية الهائلة لأنديتها ومراكز الشباب المنتشرة في كل قرية ومدينة، وتحويلها إلى مقار تأهيلية وتدريبية آمنة وجاذبة وقريبة جغرافياً من الطلاب.
  1. تكاتف القوى الناعمة من مطربي ومبدعي مصر ممن لهم قبول جماهيري جارف، بتخصيص أجر حفل غنائي واحد شهرياً لصالح صندوق تمويل ورعاية مشروع لتدريب الشباب صيفاً، لتكون الفنون درعاً وسنداً لشباب مكافح.
  1. دعم القطاع المصرفي إيماناً بدوره المتميز في التنمية المستدامة، وذلك بمشاركة بعض البنوك في دعم وتمويل مشروعات التدريب الصيفي لطلبة المدارس والجامعات، مما يتيح فرصة استثنائية لبناء كوادر المستقبل وتعزيز مسؤوليته المجتمعية مع تحقيق عوائد تسويقية ودعائية متميزة تبرز حضورهم الرائد في خدمة المجتمع.
  1. الضرب بيد من حديد وتغليظ الرقابة التنفيذية على آليات النقل العشوائي للعمالة لضمان أمن وسلامة أبنائنا على الطرقات.

​”خلاصة القول”

​إن التكاتف والاصطفاف خلف القيادة السياسية الحكيمة ومؤسسات الدولة وأجهزتها في أوقات المحن هو واجب وطني مقدس وفرض عين؛

فالأزمات تواجه بالبناء وسد الثغرات لا بالهدم والتلاوم. وجب علينا جميعاً ألا ننساق خلف أبواق الخيانة من المتآمرين في الداخل والخارج، أولئك الذين يتاجرون بأجساد الأبرياء ويعملون باستمرار على تأجيج مشاعر المواطن واستثارة عواطفه النبيلة لتحويل حزنه الصادق إلى طاقة تخريبية. إن وعي المواطن وتلاحمه مع دولته هو الصخرة الصلبة التي ستحطم عليها دائماً كل مؤامرات الفتنة وشاشات المرتزقة، لتبقى مصر آمنة، مستقرة، وقادرة على حماية وصون كرامة أبنائها.

بقلم:

عميد م : هيثم سعد الدين علي الدق

التعليقات

اترك تعليقاً