انتابت أطباء مصريين حالة غضب عقب مقترحات برلمانية وإعلامية تدعو إلى الحد من «هجرتهم» عبر منع سفر خريجي كليات الطب للخارج عدة سنوات.
نحن اليوم أمام مأساة وطنية، لا يليق السكوت عنها، فالأطباء الذين قضوا سنوات من أعمارهم فى الدراسة والتدريب، باتوا يهربون من أوطانهم، لا طمعًا فى مال، بل طلبًا لكرامة مهنية وإنسانية.
إن هذه النوعية من التصريحات تُعد “مغازلة للشارع” وتستهدف تفريغ الاحتقان الشعبي عبر تحميل الأطباء مسؤولية أزمة المنظومة الصحية، رغم أنهم الطرف الأضعف فيها.
أن الهجوم المتكرر على الأطباء لن يؤدي إلا إلى مزيد من النفور من المهنة، وبعض الأطباء لا يهاجرون فحسب، بل يتركون المهنة بالكامل بسبب تدهور العائد المادي وصعوبة الظروف المعيشية.
أن معالجة الأزمة تبدأ من تحسين بيئة العمل، لا من خلال تقييد الحريات، تقديم حوافز للعمل في المناطق النائية، وتطوير الريف، وبناء المدارس والمرافق الخدمية، وخفض الإيجارات، ودعم توصيل المرافق، لجعل هذه المناطق أكثر جذبًا للكفاءات الطبية.
وقد نُشرت دراسة إلى أن هجرة الأطباء المصريين تؤثر سلبًا على النظام الصحي والاقتصادي في مصر، إذ يعاني الأطباء ضعف البنية التحتية الصحية، والرواتب المتدنية، وظروف العمل غير الملائمة، مما يدفعهم للهجرة إلى دول ذات أنظمة صحية متطورة.
أوضحت الدراسة أن 56% من الأطباء المصريين يعملون في الخارج، مع تفضيلهم الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية لأسباب مهنية، ودول الخليج لأسباب مالية.
إحصائيات عن هجرة الأطباء:
وفقًا لتقرير صادر عن نقابة الأطباء، سجل عام 2022 استقالة حوالي 4261 طبيبًا وطبيبة، بمعدل 12 استقالة يوميًا، في زيادة ملحوظة عن الأعوام السابقة، حيث استقال 4127 طبيبًا في 2021، و2968 في 2020، و3507 في 2019.
إن «مقترحات فرض رسوم مالية على الأطباء راغبي السفر للخارج، ترفضها نقابة الأطباء بشكل كامل؛ كونها لا تعالج الأسباب الحقيقية لسفر الأطباء للخارج».
واننا ترفض الحلول العقابية، وتدعو لحلول واقعية، تستهدف العمل على تحسين الأجور، وتوفير بيئة عمل آمنة، وتطوير منظومة التعليم والتدريب الطبي»، ودللت على تزايد أعداد هجرة الأطباء بـ«وجود نحو 12 ألف طبيب مصري، يعملون في إنجلترا، أغلبهم من الشباب».
اما مقترح أحد نواب البرلمان بمنع الأطباء من السفر لمدة خمس سنوات بعد التخرج، يخالف الدستور الذي ينص في مادته 62 على حرية التنقل، وفي مادته 53 على المساواة بين المواطنين دون تمييز.
إن تلك الرؤى «تخالف نصوص الدستور المصري الذي يكفل حق الهجرة والسفر للجميع»، ورجح «تحسن أوضاع الأطباء نسبياً خلال الفترة المقبلة، بعد صدور قانون (المسؤولية الطبية)، الذي يوفر حماية للأطباء في عملهم»، إلى جانب «التحركات الحكومية لتحسين مستوى دخل الأطباء».
ويجب علي الحكومة إلى معالجة جذور الأزمة من خلال تحسين بيئة العمل وزيادة الأجور، ضرورة تبني الحكومة مبدأ العدالة في توزيع الدخول، و تحديد حد أقصى للأجور خلال فترة الأزمة المالية لا يتجاوز 20 ألف جنيه شهريًا لجميع الفئات، ومن ثم وضع منظومة عادلة تتناسب مع طبيعة كل مهنة، ورفع سن معاش الطبيب إلى 70 عاماً، كما فعلت بعض التجارب الدولية».
راتب الطبيب في مصر مقارنة بالدول الأخرى:
راتب الطبيب المقيم في مصر يتراوح حوالي 3700 جنيه، بينما يتقاضى الطبيب في دول مثل السعودية وقطر رواتب تتجاوز 22 ألف جنيه و67 ألف جنيه شهريًا على التوالي.
في حين يصل راتب الطبيب في الصومال إلى حوالي 91 ألف جنيه مصري، مما يعكس الفجوة الكبيرة بين الأجور في مصر والدول الأخرى.
أن أي محاولات لتقييد حرية الأطباء في السفر قد تأتي بنتائج عكسية، مثل فقدان الثقة في النظام الصحي وزيادة الفجوة بين الأطباء والدولة.
وفي النهاية يجب ان يكون هناك تعاون بين الحكومة والنقابات المهنية لتطوير حلول مستدامة لأزمة هجرة الأطباء، بدلًا من السياسات العقابية التي تؤدي إلى تعميق المشكلة.


