أحدثت الثورة الصناعية الأولى أواخر القرن 18 تغيرا جذريا في حياة البشر بإحلال العمل اليدوي بالميكننة وزيادة إستخدام الطاقة البخارية والمائية وتطوير الأدوات والآلات ، وتلي ذلك تطور صناعة السيارات والصناعات الكيميائية والنفط (التكرير والتوزيع) والذي ساهمت وفرته في تقليل أهمية الفحم وزيادة إمكانية التصنيع ، وبإكتشاف الكهرباء وإستخدامها ظهرت الشركات الصناعية العملاقة ، وقد إستفادت الدول المتقدمة علميا ( أمريكا وبعض دول أوروبا واليابان) من ذلك التطور في بناء نهضة صناعية متقدمة أدت إلى مضاعفة ناتجها القومي وزيادة دخل الفرد بها ، وقد إنضمت دولا أخري عديدة من أسيا وأمريكا الجنوبية عقب ثورة المعلومات والإتصالات وتطبيقات الذكاء الإصطناعي ، في ذات الوقت الذي ظلت فيه جميع الدول العربية معتمدة على إقتصادها الريعي والزراعي غير المتقدم.
ويعتمد الناتج القومى المصري بصفة أساسية على الزراعة البدائية غير المتطورة الموروثة عن أجدادنا القدماء مضافاً إليها القليل من التحديثات ، وعلي ريع بعض الثروات المعدنية والبترولية وعائد السياحة والمرور بقناة السويس ، وتأتي الصناعة في درجة متأخرة تكاد لا تذكر ( وتنحصر أغلبها في أنشطة غير أساسية وموجهة للإستهلاك المحلي ) ، والنتيجة الطبيعية لتأخرنا في مجالي الزراعة والصناعة هي إضطرارنا لإستيراد حوالي 70% من جميع إحتياجاتنا ، وهوأمر لا يمكن قبول إستمراره خاصة بعد ما تكشف لنا من تداعيات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا من أزمة في واردات الحبوب والطاقة وربط تصدير بعض السلع الهامة والأساسية بطبيعة العلاقات السياسية بين الدول المصدرة والمستوردة ، إضافة للحظر الضمني لمنع نقل التكنولوجيا أو بيع الأسلحة المتقدمة لدول العالم الثالث ومنها بالطبع الدول العربية ، وجميع هذه الامور توجب علينا البدء فورا ودون إبطاء في إنشاء نهضة زراعية وصناعية متقدمة تليق بالجمهورية الجديدة التي تقف على عتباتها.
وتتطلب النهضة الزراعية المنشودة العمل على زيادة الرقعة الزراعية / والعودة إلى نظام الدورة الزراعية / وتغيير ثقافة المزارعين بإستخدام طرق الري الحديثة للإستفادة القصوي من المياه المتاحة / والتوسع في إستخدام الميكنة الزراعية / وأجود أنواع تقاوي البذور والأسمدة والمخصبات والمبيدات الزراعية وذلك لإنتاج كميات أكثر وأجود مما ينتج حاليا في ذات مساحة الارض الزراعية ، وما يتم حاليا من زيادة في مساحة الأراضي المستصلحة يبشر بالخير ، ويتبقى آلأمل في إضطلاع وزارة الزراعة بما توجبه المسئولية الوطنية والعلمية والوظيفية وما يتوافر لخبرائها وباحثيها من خبرات في تغيير وإستبدال الثقافة الزراعية الحديثة محل ما ألفناه من قبل ، ولا بأس من تقديم حوافز وتيسيرات للمزارعين لتشجيعهم .
ورغم محاولاتنا الجادة السابقة عقب ثورة يوليو 1952 بتدشين عديد الصناعات الثقيلة والإستراتيجية ( الحديد والصلب / النسيج / الألومنيوم / السيارات وغيرها ) ، إلا أن هذا النهج لم يستمر بدخولنا عصر الإنفتاح الإقتصادي بتوقف زيادة وتحديث الصناعات الثقيلة والإستراتيجية والتوسع غير المدروس في الصناعات الخفيفة والموجهة بصفة أساسية للإستهلاك المحلي ( المقرمشات والعصائر والمياه المعدنية والغازية والمنظفات وتعبئة المواد الغذائية وغيرها) ، ورغم أهمية هذه الصناعات الأخيرة إلا أنها لا تبني نهضة صناعية حديثة ، وهو ما يوجب دراسة أفضل المقترحات المتعددة المتميزة لتحقيق هذا الهدف ، ومنها : –
• إحصاء جميع السلع والمنتجات التي نستوردها ، وتحديد ما يمكن تصنيعه محليا وفقا لأحدث التقنيات الحديثة ، وعدم منح أية رخص إستسمار صناعي ( محفز من الدولة ) إلا في أحد هذه المجالات فقط.
• تشجيع أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة لإقتحام مجال الصناعة وتحفيز الجادين منهم فقط ( بتسهيل الحصول على أرض لإقامة المصانع والورش ، وإعفاء ضريبي لمدة محددة ، وحوافز لزيادة نسبة الحصة المقررة للتصدير ، وغيرها).
• تخصيص أراضي صحراوية غير قابلة للزراعة بأطراف معظم مدننا لإنشاء مناطق صناعية عليها وتقسم بمساحات مناسبة ترفق على نفقة الدولة ، ويتم التعاقد بشأنها مع الجادين فقط بعقد ثلاثي الأطراف تلتزم الدولة فيه بتسليمها لهم بنظام حق إنتفاع لمدة خمسون عاما لإقامة مصانع وورش لنشاط صناعي محدد يرخص به فقط ولا يسمح بتغييره خلالها ، ويسدد صاحب المصنع قيمة الترفيق فقط للدولة بقرض مع البنك دون ثمن الأرض والتي تملك له مجانا نهاية المدة مع إمكانية تغيير نشاطه إلي أخر صناعي فقط .
لواء . د / محمد عبد القادر العبودي
ش العبودي / أنشاص الرمل / مركز بلبيس / شرقية.
أستاذ منتدب بأكاديمية الشرطة وحقوق الزقازيق سابقاً
01224760953
01019801516
0552820033

