التخطي إلى المحتوى
د.ثروت الخرباوي: المهمة الحقيقية للنائب العام


بقلم: د. ثروت الخرباوي

من أقدس الضوابط التي ترتقي بالمجتمعات ضوابط القانون ، خاصة إذا كان القانون متفقا مع دستور الأمة مُعبرا عنه مُلتزما بقواعد العمومية والتجريد ، بحيث لا يعطي حقا لفئة ويحرم فئة مماثلة من هذا الحق ، وتطبيق القانون على كل أفراد المجتمع ليس ترفا أو رفاهية بل هو من ألزم اللزوميات حتى لا تُترك العلاقات بين الناس ، عائلية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية فوضــــى ينظمها كل فرد وفق رغبته ومشيئته متحججا بأن مقصده طاهر ، لذلك لا يجوز لشخص ما أو جهة أو هيئة أو جمعية أن تنفلت من رقابة القانون وضوابطه وأحكامه بدعوى أنها ذات غرض خيري أو ديني أو دعوي حتى ولو وصل غرضها إلى أعلى درجات القداسة ، فقداسة الفكرة لا تعطي حصانة لمن يدعيها ، فالكل أمام القانون سواء ، والناس سواسية كأسنان المشط ، فيستوي أمام القانون الكبير مع الصغير، والوزير مع الخفير، الماسك على السلطة مع من ترك السلطة وأصبح نسيا منسيا، وقد يتعسف رجل السلطة في ممارسته لسلطته فيظلم ويبطش، وقد يسلك “رجل الدعوة” أو “رجل الخير والإحسان” سلوكا يصطدم بآخرين ، والعصمة لله وحده ، فيرده القانون إلى جادة الصواب .
هذه مبادئ لا يجوز الإشاحة عنها أو الجدال فيها ، استقرت في الضمير الجمعي للأمة ، وأصبحت أعلى وشائجه ، لذلك شُرِّع نظام التقاضي ، وحق الإبلاغ عن الجرائم ، ومن أجل ذلك كانت رسالة النائب العام ونيابته عن الأمة في الكشف عن الاعتداء على “الحقيقة القانونية” سواء كان هذا الاعتداء وقع من أعلى سلطة أو أدناها، ولا أخالني مغاليا إذا قلت أن مهمة النائب العام هي أشق مهام العدالة ، لاسيما حين يضطرب المجتمع ، وترتبك المعايير ، ويختلط الحق بالباطل ، وحين يتدثر الباطل بثياب السلطة تصبح مهمة النائب العام أشق وأكدا ، لذلك كان يجب أن تكون وظيفة النائب العام مستقلة عن سلطات الدولة، لا تتبعها، ولا تنضوي تحت معطفها، إذ لا يجب أن تكون مهمة النائب العام تحت سيطرة سلطات الدولة، بل يجب أن تظل تحت سلطة القانون وحده دون غيره، لا يرهبها في ذلك سلطان، ولا يؤثر فيها مستبد، فمن استمد سلطنه من ضمير الأمة يجب أن تكون مهمته رسالية، لذلك ينبغي أن يكون من يقوم بمهمة النائب العام، عارفا لقدسية رسالته ومشقتها، ولكن مهما كانت المشاق فإن النائب العام يحتملها لأنه يكتسب قوته من قوة القانون ، وشموخه وحسمه من تفويض المجتمع له ، ومضاءه من موقعه القضائي ، وعدله من رسالة الحق التي يحملها .