أرى أننا أصبحنا بحاجة شديدة إلى السماح لشركات متخصصة في تشغيل وإدارة المستشفيات والمراكز الطبية بالمشاركة في إدارة وتشغيل المستشفيات التابعة لوزارة الصحة، وفق ضوابط وقوانين واضحة تضمن في المقام الأول حقوق المريض، وتحافظ على المال العام، وتمنع المغالاة في أسعار الخدمات الطبية.
وفي محافظة الشرقية وحدها، لدينا عشرات المستشفيات والمراكز الطبية التي تمثل استثمارات ضخمة وبنية تحتية يمكن أن تقدم خدمات طبية متميزة للمواطنين، إلا أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في المباني أو الأجهزة فقط، وإنما في ضعف التشغيل ونقص الكوادر الطبية والفنية والإدارية المتخصصة.
نعاني من نقص واضح في عدد من التخصصات المهمة، وعلى رأسها أطباء التخدير وبعض التخصصات الجراحية الدقيقة، إلى جانب نقص في الكوادر التمريضية والفنية. كما أن هناك تحديات تتعلق بإدارة وصيانة الأجهزة الطبية وغير الطبية، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة على كفاءة المستشفى وقدرتها على تقديم الخدمة في الوقت المناسب.
والأخطر أن المواطن قد يصل إلى المستشفى محتاجًا إلى تدخل عاجل، ثم يُفاجأ بأن الخدمة غير متاحة بسبب عدم وجود طبيب تخدير أو عدم توافر التخصص المطلوب، فيتم تحويله إلى مستشفى آخر.
وقد تكون المشكلة أكثر خطورة في حالات الحوادث والطوارئ، عندما يصل المصاب في حالة حرجة، ثم تكون الإجابة: لا توجد جراحة مخ وأعصاب.. يجب تحويله إلى مستشفى جامعي!
وهنا يجب أن نسأل بصراحة:
هل المشكلة في إنشاء المستشفيات؟ أم في قدرتنا على تشغيلها بكفاءة؟
أنا أعتقد أن جزءًا كبيرًا من الحل يمكن أن يكون في الاستعانة بشركات متخصصة في التشغيل الطبي وإدارة المستشفيات، بحيث تكون لديها القدرة على توفير الكوادر الطبية والتمريضية والفنيين، ووضع نظم فعالة للصيانة والتشغيل والجودة، مع محاسبتها على مستوى الخدمة والنتائج.
وهذا النموذج مطبق في دول أخرى، فلماذا لا نبحث بجدية إمكانية تطبيقه في مصر بما يتناسب مع ظروفنا وإمكاناتنا؟
المطلوب ليس أن نترك المستشفيات للقطاع الخاص دون رقابة، وإنما أن يكون هناك نظام تعاقدي واضح بين الدولة وشركات التشغيل، يحدد بدقة حقوق وواجبات كل طرف، ويضع معايير صارمة للجودة، ويضمن توافر التخصصات الطبية المطلوبة، ويمنع استغلال حاجة المريض أو تحميله أعباء مالية غير مبررة.
يجب أن تكون هناك رقابة حقيقية من وزارة الصحة والجهات المختصة، مع مؤشرات أداء واضحة يمكن من خلالها تقييم الشركة المشغلة، مثل توافر الأطباء، ونسب إشغال غرف العمليات، وسرعة التعامل مع الحالات الطارئة، وكفاءة الصيانة، ومستوى مكافحة العدوى، ورضا المرضى.
ولا أعتقد أن المشكلة في شباب الأطباء أو المديرين الموجودين حاليًا داخل هذه المستشفيات؛ فالكثير منهم يعملون في ظروف صعبة ويبذلون أقصى ما لديهم.
لكن السؤال الحقيقي هو:
هل يمتلك مدير المستشفى الموارد والصلاحيات والكوادر التي تمكنه من تحقيق المستهدف؟
لا يمكن أن نطلب من مسؤول إدارة مستشفى أن يحقق نتائج استثنائية، بينما لا يمتلك الأدوات أو الموارد أو القدرة على استقدام الكفاءات التي يحتاج إليها.
نحن أمام منظومة تحتاج إلى إدارة وتشغيل وتمويل وصيانة وكوادر بشرية تعمل جميعها في اتجاه واحد.
لذلك أطالب بفتح نقاش جاد وواسع حول دخول شركات التشغيل الطبي المتخصصة إلى منظومة مستشفيات وزارة الصحة، وفق نموذج مصري منضبط، وبعقود شفافة، ورقابة حكومية صارمة، وضمان كامل لحق المواطن في العلاج.
المواطن لا يعنيه من يدير المستشفى بقدر ما يعنيه أن يجد الطبيب المتخصص عندما يحتاج إليه، وأن يجد غرفة العمليات جاهزة، وطبيب التخدير موجودًا، والأجهزة تعمل، والخدمة الطبية متاحة في الوقت المناسب.
هذه ليست رفاهية، وإنما قضية تتعلق بحياة المواطنين.
وهذه شهادتي وقناعتي كأستاذ جامعي وطبيب يتابع الوضع الطبي عن قرب.
اكتبوا يا صحفيين وإعلاميي مصر.. فملف تشغيل المستشفيات يحتاج إلى نقاش مجتمعي جاد، وحلول غير تقليدية، وقرارات شجاعة تضع مصلحة المريض أولًا.


التعليقات