التخطي إلى المحتوى
ا.د حسام بدراوي ….حين يكرّر النظام أخطاءه .. انتحار سياسي وذاكرة لا تتعلّم

هذا المقال ليس تشفّيًا، ولا معارضة عدائية، بل هو محاولة صادقة لمنع النظام من الانتحار السياسي،فالتاريخ لا يرحم، ومن يكرّر أخطاءه لا ينجو منها.

في كل مرة استُبعد فيها الرأي الآخر،وفي كل مرة احتُقرت فيها النخبة وزُيّف وعي العامة،وفي كل مرة حُوّل فيها الدين إلى أداة ولاء لا منبع وعيط ..كانت النتيجة واحدة : انفجار لا يرحم أحدًا.

ولعل ما نراه في مصر الآن، ونحن نتابع المسرحية السياسية الهزلية تتكرر فصولها، هو لحظة كهذه.

ليست أزمة مفاجئة، بل انحدارٌ ناعم نحو المأساة، يُديره نظام يبدو وكأنه فقد القدرة .. أو ربما فقد الرغبة .. على التعلّم من أخطائه.

١– انتخابات بلا انتخاب .. وقوائم بلا منافسة
لا أجد كلمة غير “العبث” لوصف ما يُعدّ الآن تحت لافتة “الانتخابات”.
قوائم موحّدة معدّة سلفًا، تديرها الأجهزة الأمنية، وتُزيّن بشعارات وطنية جوفاء.
هل هذه ديمقراطية؟ أم عرض مسرحي رديء تمكّنت السلطة فيه من تمثيل كل الأدوار، بمن فيهم “المعارضة” المصنوعة؟
هل حقًا لم يتعلّموا أن الشكل بلا مضمون لا يصنع شرعية ولا يمنع انفجارًا؟
٢- كتم الأفواه و”فلترة” الإعلام
الرسالة واضحة : من ينتقد يُقصى.
وهذا لا يطال فقط أصحاب المواقف السياسية، بل حتى الإعلاميين أصحاب التأثير الجماهيري.
استُبعدوا واحدًا تلو الآخر لأنهم قالوا ما نعرفه جميعًا : أن هناك أزمة، وأن الناس تتألم، وأن القادم مقلق.
هل أصبح الصدق جريمة؟
وهل نسينا أن من ينكر الواقع لا يُغيّره بل يُورّط نفسه فيه؟
(إيقاف لميس الحديدي، وإبراهيم عيسى، وخيري رمضان، وأجازة إجبارية لعمرو أديب).
٣– همسات التعديل .. واستقرار الوهم
تتسرّب اللمزات الإعلامية، والحوارات “غير العفوية”، لتمهّد لتعديل دستوري جديد.
العنوان المكرّر : “ضمان الاستقرار”، لكن المضمون مكشوف : مدّ فترة الرئاسة لولاية رابعة.
منذ متى كان التمديد وسيلة استقرار؟
ألم تُجرّبها الأنظمة من قبل وانتهت إلى الفوضى والانهيار؟
٤– دين خارجي ينخر الجسد
لا يحتاج المرء إلى أن يكون خبيرًا اقتصاديًا ليشعر بالقلق من تصاعد الدين الخارجي، وتآكل قدرة الدولة على إدارة اقتصادها بشكل مستقل.
المديونية تقيّد القرار، وتُفقر الناس، وتخلق بيئة انفجار لا تنفع معها أبراج المراقبة ولا محطات التجميل.
٥- الدين في حِضن السلطة .. من جديد
تعود مظاهر تديين الحكم من الأبواب الخلفية، في مشاهد تكرّرت في العقود الماضية وكان ثمنها باهظًا :
• تربية دينية مفروضة قسرًا.
• قوانين تجرّم النقاش وتُقدّس الرأي البشري.
• شيوخ تُقبّل أياديهم علنًا، بينما تُكمم أفواه المثقفين.
• وشيخ الأزهر في موقع سياسي يلتقي بالسفراء وكأنما هو رأس الدولة الروحي.
ما يحدث ليس عودة للدين، بل توظيف سياسي له، كما استُخدم في صفقات سابقة عندما تم تعديل دستور 71.
خاتمة : الطريق لا يزال ممكنًا .. لكنه يضيق
لا زال في الوقت متّسعٌ لتدارك الخطر، بشرط أن يعترف النظام أن المكاشفة لا تُضعف الحكم، بل تقوّيه،
وأن صوت العقل لا يُخيف إلا من اعتاد الاستبداد.
أما إذا أُغلقت الأبواب، واستُمرئ اللعب في الظل، فلا أحد يضمن ما يأتي بعد الغليان .. ولا أحد يربح من الانتحار.
نداء إلى صانع القرار .. من قلب يعرف كيف يحب وطنه :

سيدي:

أعلم أنك ترى، وتسمع، وتقرأ.
ولعلك تفهم – أكثر مما يُقال لك – أن ما يُدار اليوم لا يؤسس لشرعية، بل لتآكلها.
وأن استمرارك ليس في إقصاء المختلف، بل في احتوائه.
ولا في توظيف الدين، بل في احترام عقل المواطن.
ولا في صناعة ولاء مصطنع، بل في بناء ثقة حقيقية تقوم على المكاشفة والمشاركة.
لقد قُدّر لك أن تمسك بدفّة مصر في لحظة فارقة، فلا تجعلها لحظة انغلاق، أو عزلة، أو تكرار لمآسي من سبقوك.
ليس العيب أن نخطئ، بل أن نُصرّ على الخطأ.
وليس الضعف أن نستمع، بل أن نُقصي من ينصح.

سيادة الرئيس:

ما زال بإمكانك أن تسجّل صفحة جديدة، لا بعنوان “البقاء”، بل بعنوان “البناء”،بأن تردم الفجوة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والفكرة، بين الوطن والخوف.
هذه البلاد تستحق أفضل من مسرحية مكرّرة، ومن نخبة تُقصى، ومن حشود تُغذّى بالوهم.
فلا تدع التاريخ يكتب أنك أضعت فرصة النجاة .. حين كان بإمكانك أن تختارها.

خاتمة ثانية :

الطريق لا يزال ممكنًا .. ونداء من مواطن جرّب النصيحة من قبل.
مرة أخرى، لا زال في الوقت متّسعٌ لتدارك الخطر، بشرط أن يعترف النظام أن المكاشفة لا تُضعف الحكم، بل تقوّيه،
وأن صوت العقل لا يُخيف إلا من اعتاد الاستبداد.
ومن مكاني كمواطن مصري صادق، وسياسي كان قريبًا من دوائر القرار، أقول هذا لأنني عشتُه من قبل.
نصحت الرئيس الأسبق مبارك في سنوات ما قبل 2011، ثم عندما توليت المسؤولية السياسية ساعة الأزمة،
وقلت له ما يجب أن يُقال : أن الإصلاح السياسي الحقيقي لم يعد ترفًا، وأن التنحي الطوعي وإجراء انتخابات حقيقية هو المخرج الآمن.
عندما وقعت الواقعة، ولجأ إليّ لتكليفي بقيادة الحزب الوطني لأساهم في إخراجه والبلاد من أزمتها،
كان يعلم أنني ناصح أمين،لكن حين نصحته بالتنحي فعليًا، وألّا يكون طرفًا في مستقبل الصراع، أُقصيت من دائرة القرار،وأحاط به من أقنعوه بالبقاء، فوقعت الفوضى .. وكان ما كان.

واليوم، أرى نفس السيناريو يتكرر بأشكال جديدة :

إقصاءٌ، تزويرٌ للواقع، تجاهلٌ للصوت العاقل، تدخلٌ خطير بين الدين والسياسة، وانفصالٌ بين السلطة والمجتمع.
إن مصر لا تستحق انتحارًا سياسيًا جديدًا.
لكنني ما زلت أؤمن .. أنه لا فوضى بلا بدائل.
ما زالت هناك فرصة للإفاقة.
وأنتم تملكون القرار .. فهل تختارون الحياة أم التكرار؟