{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [سبأ: 1]، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وبعد:
فمن الملمات التي نزلت بالمسلمين هذا الوباء الذي أصاب المعمورة الذي عرف بـ: كوفيد 19، وهو من عائلة الفيروسات التي تنتمي لكورونا، أسأل الله بفضله أن يمن علينا برفعه، وأن يتدارك عباده برحمته، وأن يرفع عنهم البلاء والوباء، وقد أحدث لهم نزولُ هذا الوباء عددًا من النوازل الفقهية التي أحدثتها الضرورة، إذ إن هذا الوباء ينتشر في الجملة بطريقين:
الأول: المخالطة المباشرة، فتنتقل العدوى عن طريق القطيرات عندما يخالط شخص غير مصاب آخر تظهر لديه أعراضٌ تنفسية مثل: السعال، أو العطس مخالطة لصيقة في حدود مسافة متر واحد مما يجعل هذا الشخص عرضة لخطر تعرض أغشيته المخاطية: الفم والأنف أو الملتحمة ـ العين ـ لقطيرات تنفسية يُحتمل أن تكون معدية.
علمًا أن: هذه القطيرات أو الرذاذ الخارج من الشخص الحامل للفيروس وزنها ثقيل نسبيًّا، فهي لا تنتقل إلى مكان بعيد وإنما تسقط سريعًا على الأرض.
الثاني: المخالطة غير المباشرة: فتنتقل العدوى بملامسة أسطح موجودة في البيئة المباشرة المحيطة، أو أدوات مستخدمة من الشخص المصاب بالعدوى.
وهل ينتقل الوباء من المتوفى به إلى الأحياء؟
والجواب: لا يمكن نقل الفيروس من الميت إلى الحي إلا عن طريق ملامسة شخص على قيد الحياة لجسد الميت وما عليه من إفرازات دون ارتداء الملابس الواقية اللازمة، ولكن عند تطهير جثمان المتوفى بصورة صحيحة وتكفينه بالطريقة الصحيحة، فلن يكون مصدرًا للعدوى.
[منظمة الصحة العالمية، تقرير البعثة المشتركة بين المنظمة والصين عن المرض الذي يسببه فيروس كورونا المستجد 2019 (كوفيد-19) في 16-24 شباط/ فبراير 2020 [الإنترنت]، جنيف: منظمة الصحة العالمية؛ 2020
وهنا نازلة استجدت لأهل الإسلام: إذ إن غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه من فروض الكفايات بإجماع.
قال ابن القطان الفاسي في الإقناع في مسائل الإجماع (1 /182): والسنة المجتمع عليها في موتى المسلمين أنهم يغسلون ويكفنون.
وقال: وأجمعوا على أن الميت يغسل غسل الجنابة. انتهى بتصرف
وقال ابن المنذر في الإجماع (ص 53): وأجمعوا على أن دفن الميت لازم واجب على الناس لا يسعهم تركه عند الإمكان، ومن قام به منهم سقط فرض ذلك على سائر المسلمين.
فجد لهم من النوازل حكم غسل، وتكفين، ودفن موتى هذا الوباء والصلاة عليهم.
وقبل بيان ما اقتضته هذه النازلة، ينبغي أن نقف وقفة قصيرة جدًّا مع معنى النوازل لغة وشرعًا:
النوازل لغة: جمع نازلة، وهي لغة: تدل على هبوط شيء ووقوعه.
واصطلاحًا:
تطلق ويراد بها: الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس.
وتطلق ويراد بها: الحادثة التي تنزل وتحتاج إلى معرفة حكمها الشرعي، فهي إذن حوادث الفتاوى التي تحتاج لاجتهاد، وهي موجودة في سائر العصور بداية من العصر الأول.
قال ابن القيم في أعلام الموقعين (2 /345): «وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهدون في النوازل، ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بالنظير.».
بيان أحكام غسل وتكفين ودفن موتى كورونا، وأحكام الصلاة عليهم، وهو مستفاد من فتاوى المجامع والهيئات الفقهية:
أولاً: نسأل الله لموتى المسلمين الرحمة والمغفرة.
ثانيًا: نرجو لموتى الأوبئة أن يأخذوا حكم موتى الطواعين فنحتسبهم عند الله من الشهداء إذا ماتوا صابرين محتسبين وهو مذهب الجمهور، لحديث عائشة أم المؤمنين قالت: سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن الطاعونِ
فأخبَرَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أنَّه كان عَذابًا يَبعَثُه اللهُ على مَن يَشاءُ، فجعَلَه رَحمةً للمُؤمِنينَ، فليس مِن رَجُلٍ يَقَعَ الطاعونُ فيَمكُثُ في بلدِه صابِرًا مُحتَسِبًا يَعلَمُ أنَّه لا يُصيبُه إلَّا ما كَتَبَ اللهُ له إلَّا كان له مِثلُ أجْرِ الشَّهيد» أخرجه البخاري (5734).
ثالثًا: الواجبات منوطة بالقدرة والاستطاعة علمًا وعملاً، لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] إذ لا أمرَ مع عجزٍ، ولا نهي مع اضطرارٍ.
والمشقة تجلب التيسير، وما جعل الله علينا في الدين من حرج، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
رابعًا: غسل الميت من فروض الكفايات عند جماهير أهل العلم.
خامسًا: إن تعذر غسل الميت:
أ – خوف حدوث الضرر بجثته كأن يكون محترقًا مثلاً.
ب – خوف حدوث الضرر بمغسله لمرض أو وباء ينتشر بذلك فإنه يفعل به الأدنى فالأدنى، وذلك أربع مراتب:
المرتبة الأولى: أن يغسل إن أمكن مع التحرز عند غسله.
المرتبة الثانية: أن يصب عليه الماء صبًّا إن لم يمكن الغسل لخوف انتشار المرض.
المرتبة الثالثة: أن ييمم إن لم يمكن صب الماء لخوف انتشار المرض بصبه.
المرتبة الرابعة: أن يسقط التيمم أيضًا إن خيف على الميمم انتقال المرض إليه.
سادسًا: إذا ماتت امرأة مصابة بهذا الوباء ولا يوجد امرأة تغسلها، ولا زوج مدرب، ولا ذو رحم يمكن أن يغسلها من فوق ملابسها فإنها تيمم كحكم المرأة تموت بين أجانب، والرجل يموت بين أجنبيات، وهذا على الصحيح في المذاهب الأربعة.
[ينظر: البحر الرائق، لابن نجيم (2/188)، وشرح مختصر خليل، للخرشي (2/116)، والمجموع، للنووي (5/141)، والمغني، لابن قدامة (2/392)]
سابعًا. يكفن الميت الذكر في ثلاث لفافات، والأنثى في خمس لفافات استحبابًا.
وهو على الكفاية أيضًا.
فإن احتيج إلى لف الميت في لفافة مصنوعة من مادة لا تسرب السوائل خوف المرض فلا حرج.
وقد وجهت وزارةُ الصحة والسكان الـمُكفِّنَ إلى التزام هذه الإجراءات:
1 -في البداية يتم لف جثمان المتوفى بفيروس كورونا في 3 طبقات وهي كالآتي:
-طبقة من قماش الكتان أو القطن الأبيض ثم يرش ماء مخلوط بالمطهرات.
-طبقة من غطاء بلاستيكي غير منفذ للماء ثم يرش ماء مخلوط بالمطهرات.
-يتم وضع الجثمان في كيس حفظ جثث بلاستيكي محكم الغلق وغير منفذ للماء، ثم يتم مسح الكيس بالماء المخلوط بالمواد المطهرة.
2-يتم وضع الجثمان داخل تابوت أو صندوق نقل بلاستيكي أو خشبي ويتم إغلاقه بإحكام ويتم رشه بالماء المخلوط بالمطهرات.
ثامنًا: الصلاة على الميت فرض على الكفاية فإن فعلها بعض سقط عن الباقين، وفي حالتنا يصلي المصلون مع أخذ الاحترازات اللازمة حال المخالطة، مع مراعاة عدم القرب من الميت المصاب.
تاسعًا: يجوز الصلاة على الميت ولو لم يغسل على الراجح من قولي أهل العلم.
جاء في الموسوعة الفقهية: «ذهب ابن حبيب من المالكية والحنابلة وبعض المتأخرين من الشافعية إلى أنه يصلى عليه مع تعذر الغسل والتيمم؛ لأنه لا وجه لترك الصلاة عليه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، لما صح من قوله عليه الصلاة والسلام: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، ولأن المقصود من هذه الصلاة الدعاء والشفاعة للميت.
أما عند الحنفية وجمهور الشافعية والمالكية فلا يصلى عليه؛ لأن بعضهم يشترط لصحة الصلاة على الجنازة تقدم غسل الميت، وبعضهم يشترط حضوره أو أكثره، فلما تعذر غسله وتيممه لم يصل عليه لفوات الشرط.»
عاشرًا: دفن الميت فرض على الكفاية. 
وقد وجهت وزارة الصحة والسكان الدافن إلى التزام هذه الإجراءات:
1 – يراعى الالتزام من جانب من يقوم بالدفن ارتداء الواقيات الشخصية، وتواجد أقل عدد ممكن عند دخول الجثة إلى المقبرة، والالتزام التام بغسيل الأيدي بالكحول عند توفره لكل من تعامل مع المتوفى، وتنظيف وتطهير كافة أسطح العمل التي تلامست مع الجثة.
2- يتم وضع الجثمان في القبر وإغلاقه بإحكام وعدم فتح القبر إطلاقًا قبل مرور أسبوع على الدفن لضمان أن يكون الفيروس قد مات على أية أسطح صلبة ملوثة عند النقل.
الحادي عاشر: بالنسبة لكشف الوجه داخل القبر فليس مشروعًا أصلاً، لكن الوارد حل عقد الكفن.
وبالنسبة لمرضى الأوبئة فإنه أيضًا منوط بالقدرة، فإن خشي الفاك العدوى أو كان فيه ضرر فلا تفك، وهو ما وجهت به الجهات الصحية المختصة.
الثاني عشر: إن احتاج الناس إلى إعماق القبر ورش بعض المواد المطهرة عليه بعد الدفن فلا حرج في ذلك شرعًا.
الثالث عشر: ينبغي لجميع من يتعامل مع موتى الأوبئة سواء في الغسل، أو التكفين، أو الصلاة، أو الدفن، أو النقل، أو الحمل أخذ الاحتياطات اللازمة فذلك من الأخذ بالأسباب، وهو أمر شرعي.

