كتب_أشرف محمود
بقلم : د.ثروت الخرباوي
(أصل الدية قبل الإسلام)
“كان العرب قبل الإسلام مجتمعاً قبلياً لا تنظمه قوانين ولا تسوسه أنظمة، إلا أنهم مع ذلك كانوا يُحرِّمون طائفة من الأعمال ويعاقبون عليها وفقاً لأعراف تعارفوا عليها وتحاكموا إليها ، وكانت هذه الأعمال المحرمة ـ التي نطلق عليها حالياً بلغة القانون جرائم ـ تختلف عقوباتها من قبيلة لأخرى لأن العرف الذي كان يسوسهم وينقادون إليه متبايناً ومختلفاً ، حتى أنهم كانوا يتحاكمون إلى أعراف لا تعد ولا تحصى، فلكل قبيلة عاداتها وأعرافها، ولكل قبيلة منهجها وسلوكها العقابي الذي يختلف عن باقي القبائل، إلا أنهم جميعا كانت لديهم وحدة اجتماعية، وتتضامن في المسئولية، فكانت الجريمة إذا وقعت من أحد أفراد القبيلة في مواجهة فرد أو أفراد من قبيلة أخرى، حينئذ كانت قبيلة المجرم المعتدي تتحمل بأسرها تبعاتها ومسئوليتها ، وكثيراً ما كانت الجرائم الفردية باعثاً لحروب طويلة كحرب داحس والغبراء التي وقعت بين قبيلتين من قبائل العرب وظل أوارها مستعرا لسنوات عديدة وكانت في أصلها بسبب جريمة فردية قليلة الأهمية.
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى الصلح بمقابل ، وكان الدافع لذلك الرغبة في السلام والوئام ،وسمي هذا المقابل عند العرب دية، إلا أن الدية لم تكن على نسق واحد وإنما تتحكم فيها أمور خارجية مثل مكانة الجاني والمجني عليه ومكانة القبيلة المعتدية والمعتدى عليها.
كما أن الدية لم تكن قبل الإسلام عن جريمة القتل الخطأ فقط ، بل كانت أيضاً عن القتل العمد وعن كافة الجروح، وتروي كتب السيرة لنا أن أهل قريش جمعوا نفراً من كل قبيلة في مؤامرتهم التي حاولوا بموجبها قتل النبي عليه الصلاة والسلام قبل خروجه للهجرة، وكان منهجهم في هذا هو أن دم النبي سيتوزع بين القبائل، فلن يكون أمام أهله آنذاك من بد إلا قبول الدية، وعندما أرسل الله رسالة الإسلام كان العرف مصدرا من مصادرها التشريعية، إذ أن الله سبحانه قال في القرآن الكريم “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” والعرف هو ما تعارف الناس عليه وكان مقبولا منهم وموافقا للخلق الكريم، ولذلك كانت الدية من الأعراف التي تعارف الناس عليها قبل الإسلام فأصبحت من تشريعاته.”

