أعلنت وزارة الأوقاف أن خطبة الجمعة غدًا، 22 مايو 2026م (5 ذي الحجة 1447هـ)، ستخصص للحديث عن «يوم عرفة.. يوم المباهاة الإلهية». ويهدف موضوع الخطبة إلى تسليط الضوء على النفحات الربانية في يوم عرفة، وتوعية المصلين بأهمية استغلال هذا التوقيت المبارك الذي يتجلى الله فيه على عباده بالمغفرة والعتق من النار.
يومُ عرفة.. يومُ المباهاةِ الإلهيةِ
الحمدُ للهِ الذيْ جعلَ للأرواحِ مواسمَ للصفاءِ، وفتحَ للعبادِ أبوابَ الاصطفاءِ، وأفاضَ على الوجودِ منْ نورِ السكينةِ والبهاءِ، فجعلَ يومَ عرفةَ مطلعًا للأنوارِ، ومحوًا للأوزارِ، وموطنًا للرحمةِ والغفرانِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، شهادةً تطهّرُ الجَنانَ، وترقِّي مقامَ الإيمانِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، المبعوثُ رحمةً للعالمينَ ونورًا للأبصارِ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ الأطهارِ، وصحابتِهِ الأخيارِ، وبعدُ: فيا عبدَ اللهِ:
١ – تذوقْ أسرارَ الاحتفاءِ الربانيِّ بيومِ عرفةَ: واشهدْ جلالَ الموقفِ بقلبِ العبدِ الذي عرفَ قدرَ ربِّهِ وعظَّمَهُ، وتأملْ كيفَ عظّمَ القرآنُ الكريمُ هذا المنسكَ المباركَ العظيمَ، وجعلَهُ ركنَ الحجِّ الأكبرِ الموصولِ بالفضلِ العميمِ، حيثُ خصَّهُ الحقُّ سبحانَهُ بالذكرِ تشريفًا لمقامِهِ، وبيانًا لرفعةِ شأنِهِ وإعظامِهِ، فذلكَ هوَ الزمنُ الشريفُ الذيْ اكتملَ فيهِ الدينُ، وتمَّتْ فيهِ النعمةُ على المؤمنينَ، ورضيَ اللهُ فيهِ الإسلامَ دينًا خالدًا إلى يومِ الدينِ، فاجتمعَ لعرفةَ شرفُ الزمانِ، وعظمةُ المكانِ، وجلالُ الحدثِ الرحمانِيِّ، فاعمرْ بالذكرِ هذا اليومَ المباركَ، وأطلِقْ بالضراعةِ فيضَ لسانِكَ، وارفعْ صوتَكَ بالتكبيرِ إعزازًا وإجلالاً، واقصدْ بابَ التلبيةِ إخلاصًا وإقبالاً، لتضجَّ الأكوانُ منْ حولِكَ بالثناءِ، وتلهجَ الأرواحُ بعظيمِ الدعاءِ، حيثُ يقولُ الحقُّ سبحانَهُ: ﴿فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَاذۡكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الۡمَشۡعَرِ الۡحَرَامِۖ﴾.
٢ – تنسَّمْ عبيرَ الفضلِ الأسمى في أعظمِ أيامِ الدنيا قدرًا: وتحلَّ بجمالِ الرجاءِ في يومٍ جعلَهُ اللهُ للغفرانِ ذخرًا، واقتبسْ منْ هديِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ما يبينُ رفعةَ هذا الزمانِ، وكيفَ تفوقُ ساعاتُهُ بالفضلِ ألوفَ الأيامِ في الميزانِ، ففيهِ يفيضُ الحجيجُ منْ رحابِ «مِنى»، ليبلغُوا منْ نيلِ الرضا غايةَ المُنى، ويقصدُونَ الصعيدَ الطاهرَ في الوقوفِ بعرفةَ، طلبًا للعفوِ والمغفرةِ، ثمَّ يدفعُونَ بجمعِهِمْ إلى المزدلفةِ، رجاءً لزلفى القربى والمنزلةِ، حيثُ تتنزلُ رحماتُ التجلي الأعظم، ويمنُّ اللهُ على عبادِهِ عطاءَهُ الأكرمَ، فقدْ كانَ النبيُّ يعظمُ قدرَهُ، ويحثُّ الأمةَ على أنْ ترعى طهرَهُ، فهو منْ أيامِ الأشهرِ الحرمِ المعظمةِ، ومنْ نفحاتِ اللهِ الغاليةِ المكرمةِ، يعمُّ فضلُهُ الحجيجَ والمقيمينَ، ويستمطرُ رحمتَهُ كلُّ المشتاقينَ، فكنْ ممنْ عرفَ لهذا اليومِ حقَّهُ وقدرَهُ، وأحيا بالتوبةِ والإخباتِ سرَّهُ، لتكونَ منْ أهلِ الاستقامةِ والفلاحِ، وممنْ كُتبَتْ لهمْ بهجةُ النجاحِ، وفي ذلكَ يقولُ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «وَمَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ».
٣ – عِشْ أنوارَ المباهاةِ الربانيةِ وتجلياتِ العتقِ الأكبرِ: واقصدْ بابَ مولاكَ بذُلِّ الانكسارِ، لتنالَ منْ جودِهِ عظيمَ الاجتبارِ، فما منْ يومٍ يدنُو فيهِ الربُّ سبحانَهُ برحمتِهِ وكرامتِهِ مثل هذا اليومِ المشهودِ، يباهِي بأهلِ الموقفِ ملائكتَهُ في سماءِ العلوِّ والوجودِ، فينظرُ إليهِمْ وقدْ جاؤُوهُ شُعثًا غُبرًا يرجُونَ شفاعتَهُ، رافعينَ أكفَّ الضراعةِ فيْ تلكَ الساعةِ، فتُغسلُ الصحائفُ منْ أدرانِ الذنوبِ والآثامِ، ويُدحَرُ الشيطانُ ويَصغرُ حقيرًا بينَ الأنامِ، لما يرى منْ تنزُّلِ المغفرةِ للمذنبِ والتائبِ، وتجاوزِ اللهِ العظيمِ عنِ الكبائرِ والشوائبِ، فأقبلْ على مولاكَ بحسنِ الظنِّ واليقينِ، ولا تكنْ في هذا اليومِ منَ المحرومينَ الغافلينَ، واجعلْ لسانَكَ رطبًا بطلبِ العفوِ منْ أكرمِ الأكرمينَ، لتكونَ عندَهُ منَ المعتَقينَ الفائزينَ، فإنَّ كرمَ اللهِ أوسعُ منْ ذنوبِ العالمينَ، وفي ذلكَ يقولُ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ».
٤ – ألحَّ بمجامعِ الدعاءِ وسابقْ بالصيامِ لتكفيرِ السيئاتِ: واجعلْ جوارحَكَ مملوكةً للهِ محفوظةً عنِ المحرماتِ، فقدْ جعلَ اللهُ خيرَ الدعاءِ دعاءَ هذا اليومِ العظيمِ، لما فيهِ منْ أسرارِ القبولِ والفيضِ الكريمِ، فارفعْ يديكَ داعيًا متضرعًا بكلِّ محبوبٍ ومأثورٍ، فسبحانَهُ لا يزدادُ على كثرةِ الحوائجِ إلا كرمًا وجودًا، ويمنحُ عبادَهُ فضلاً موعودًا، فبادرْ إلى اغتنامِ هذا الفضلِ الكبيرِ، وألزمْ نفسَكَ الصيامَ إنْ كنتَ للبيتِ غيرَ حاجٍّ ملبٍّ، لتنالَ كفارةَ سنتينِ بفضلِ ربٍّ رحيمٍ قريبٍ، فصُمْ يومَكَ هذا تعبدًا وإخلاصًا، فقد قال الجناب المعظم صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»، واملأْ يومَ عرفةَ تكبيرًا وتعظيمًا، وتسبيحًا وتمجيدًا، وصُنْ فيه سمعَك وبصرَك ولسانَك يُغفر لك، فإن النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقول: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ، وَلِسَانَهُ، غُفِرَ لَهُ»، وبلغَ منَ المُنى ما تمنَّى وتصوَّرَ، وفي ذلكَ يقولُ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».

التعليقات