يضطر بعض المصلين الذين يأتون متأخرين للمساجد للصلاة أمام الإمام خصوصا في المناسبات الكبرى التي تمتلئ بها المساجد مثل يوم الجمعة وغيرها والسؤال الفقهي الذي يطرح نفسه ماحكم الصلاة أمام الإمام؟ وهل المضطر حالة خاصة أم عليه إعادة الصلاة؟
عرضنا المسألة على عدد من الفقهاء فكانت الإجابات التالية:
قالت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية التابع الأزهر، إن مِن شروط صحة الإمامة أن لا يتقدم المأموم على إمامه، مستشهدة بما روي عن أَبي بَكْر- رضى الله عنه-: «سَنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَمَامَ الْمَأْمُومِينَ».
وأضافت لجنة الفتوى في إجابتها عن سؤال: «ما حكم صلاة المأموم أمام الإمام؟»
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَأْمُومِ يُصَلِّي أَمَامَ الْإِمَامِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ مِنَ الزِّحَامِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَصَلَاةُ مَنْ صَلَّى مِنْهُمْ أَمَامَ الْإِمَامِ جَائِزَةٌ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ إِذَا ضَاقَ الزِّحَامُ فِي الْجُمُعَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أخرى: لَا يُجْزِي الْمَأْمُومَ أَنْ يُصَلِّيَ أَمَامَ إِمَامِهِ، هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وتابعت: «والذين اشترطوا عدم تقدم المأموم على إمامه استثنوا من هذا الحكم الصلاة حول الكعبة، فقالوا إن تقدم المأموم على إمامه جائز فيها، أما إذا كان المأموم في غير جهة إمامه، فإنه يصح تقدمه عليه، ويكره التقدم لغير ضرورة، كضيق المسجد، أو وجود عوائق وإلا فلا كراهة».
حيث قال في الشرح الممتع: والضَّرورةُ تدعو إلى ذلك في أيَّامِ الجُمعة، أو في أيَّامِ الحَجِّ في المساجدِ العاديةِ، فإنَّ الأسواقَ تمتلئُ ويصلِّي الناسُ أمامَ الإِمامِ، وهذا القولُ وَسَطٌ بين القولين، وغالبًا ما يكون القولُ الوسطُ هو الرَّاجح؛ لأنَّه يأخذُ بدليلِ هؤلاءِ ودليلِ هؤلاء … اهـ.
ولم يشترط أصحاب هذا القول -فيما نعلم- أن يدخل المأموم في الصلاة بعد شروع الإمام في الصلاة، ولا أن يخرج الإمام من المسجد ويتقدم الصفوف فيها، بل لو صلّوا أمامه في الساحات الخارجية وشرعوا معه في الصلاة من أولها وهو داخل المسجد، صحت صلاتهم.
جاء في كفاية الطالب الرباني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: وإن تقدم المأموم لعذر، كضيق المسجد؛ جاز من غير كراهة. اهـ.
ولخص شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- مذاهب العلماء في صلاة المأموم قدام إمامه، في «المسائل والأجوبة» وصحح جواز الصلاة إن تقدم المأموم لحاجةٍ، وذكر أنه مذهب كثير من أهل العلم.
فقال: صلاة المأموم قدام الإمام
فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تصح مطلقًا، وإن قيل إنها تكره؛ فهذا هو المشهور في مذهب مالك، والقول القديم للشافعي.
والثاني: لا تصح الصلاة مطلقًا، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي في الجديد، وهو المشهور من مذهب أحمد .
والثالث: أنه إن تقدم لحاجةٍ، صحت الصلاة، وإلا فلا، وهذا مذهب كثيرٍ من أهل العلم، وهو قول في مذهب أحمد، وأهل هذا القول يقولون: إذا لم يمكن الصلاة خلفه -لزحمة أو غيرها كما قد يحصل في الجُمع في بعض الأوقات، وكما قد يحصل في الجامع أحيانًا – فالصلاة أمامه جائزة. اهـ.
يضطر بعض المصلين الذين يأتون متأخرين للمساجد للصلاة أمام الإمام خصوصا في المناسبات الكبرى التي تمتلئ بها المساجد مثل يوم الجمعة وغيرها والسؤال الفقهي الذي يطرح نفسه ماحكم الصلاة أمام الإمام؟ وهل المضطر حالة خاصة أم عليه إعادة الصلاة؟ عرضنا المسألة على عدد من الفقهاء فكانت الإجابات التالية:
الشيخ عبدالله المنيع (عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية والمستشار في الديوان الملكي):
– «إذا كانوا مضطرين ولم يجدوا مكانا آخر للصلاة سوى أمام الإمام فهم معذورن وليس عليهم إعادة الصلاة، لكن إذا وجدوا مكانا فالأولى الصلاة خلف الإمام».
د. خالد المزيني (أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن):
– «الأصل أنه لايجوز للمأموم أن يصلي أمام الإمام ولو تقدم عمدا لبطلت صلاته، ولكن إذا دعت الضرورة للتقدم لوجود زحام شديد في المسجد ولايوجد مكان للصلاة إلا مكان متقدم على الإمام خارج المسجد فإنه يجوز وليس عليه إعادة الصلاة فصلاته حينها غير باطلة مثل مايحدث أحيانا في الحرم المكي ولكن عند الضرورة فقط».
اختلف العلماء في حكم صلاة المأموم أمام الإمام على قولين :
القول الأول :أنها باطلة وهو مذهب أبي حنيفة ( ) ، والظاهرية ( )، وقول للشافعي في الجديد ( ) وهو المشهور من مذهب أحمد ( ) . قال المرداوي : وأطلقهما في الفائق والرعايتين والحاويين وابن تميم ومجمع البحرين والتلخيص ، قال : وهذا المذهب بلا ريب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم ( ) .
القول الثاني : أنها صحيحة مع الكراهة من غير ضرورة وهو مذهب مالك ( )، وقول للشافعي في القديم ( ) ، وقول إسحاق ( ) ، وأبي ثـور ( ) ، والحسـن البصري ( ) ، وروية عن أحمد وهي من المفردات ( ).
قال المرداوي : وقيل تصح في الجمعة والعيد والجنازة ونحوها لعذر اختاره الشيخ تقي الدين وقال من تأخر بلا عذر فلما أذن جاء فصلى قدامه عذر واختاره في الفائق وقال قلت وهو مخرج من تأخر المرأة في الإمامة ، وذكر الشيخ تقي الدين وجها قالوه وتصح مطلقا قال في الفروع والمراد وأمكن الاقتداء وهو متجه ( ) .
نصوص أصحاب المذاهب مرتبة حسب ترتيبهم التاريخي
المذهب الحنفي
قال السرخسي:”: ” وَمَنْ وَقَفَ عَلَى الْأَطْلَالِ يَقْتَدِي بِالْإِمَامِ فِي السَّفِينَةِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَامَ الْإِمَامِ لِأَنَّ السَّفِينَةَ كَالْبَيْتِ وَاقْتِدَاءُ الْوَاقِفِ عَلَى السَّطْحِ بِمَنْ هُوَ فِي الْبَيْتِ صَحِيحٌ إذَا لَمْ يَكُنْ أَمَامَ الْإِمَامِ ” ( ) .
وقال : ” وإن تقدم المقتدي على الإمام لا يصح اقتداؤه به” ( ) .
وقال الكاساني : ” وَمَنْ وَقَفَ عَلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ يَقْتَدِي بِالْإِمَامِ فِي السَّفِينَةِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَامَ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ السَّفِينَةَ كَالْبَيْتِ ، وَاقْتِدَاءَ الْوَاقِفِ عَلَى السَّطْحِ بِمَنْ هُوَ فِي الْبَيْتِ صَحِيحٌ إذَا لَمْ يَكُنْ أَمَامَ الْإِمَامِ ” ” ( ) .
المذهب المالكي
قال خليل بن إسحـاق عاطفاً على ما يكره من غير ضرورة : ” وصـلاة بين الأساطين أو أمام الإمام بلا ضرورة “( ) .
وقال الدسوقي : ” قوله أو أمام الإمام أي ولو تقدم الجميع لأن مخالفة الرتبة لا تفسد الصلاة كما لو وقف عن يسار الإمام فإن صلاة المأموم لا تبطل”( ).
وقال أبو الحسن في شرح الرسالة: موقف المأموم مع الإمام على ستة مراتب :
الأولى : أشار إليها بقوله والرجل الواحد فقط أو الصبي الذي يعقل الصلاة إذا كان مع الإمام فإنه يقوم عن يمينه لما في الصحيح أن ابن عباس رضي الله عنهما قال بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فقمت عن يساره فأخذ بيدي من وراء ظهره فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن .
الثانية : أشار إليها بقوله ويقوم الرجلان فأكثر خلفه لما في مسلم عن جابر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي فجئت حتى قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه .
الثالثة : أشار إليها بقوله : فإن كانت امرأة معهما أي مع الرجلين قامت خلفهما في مسلم قال أنس صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم سليم خلفنا .
الرابعة : أشار إليها بقوله وإن كان معهما أي مع الإمام والمرأة رجل صلى الرجل عن يمين الإمام وصلت المرأة خلفهما لما في مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه أو خالته فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا ، وحكم جماعة النسوة مع الإمام والرجل حكم المرأة الواحدة معهما وقد أشار إلى ذلك في باب الجمعة بقوله وتكون النساء خلف صفوف الرجال
الخامسة : أشار إليها بقوله : ومن صلى بزوجته ابن العربي الأفصح فيه زوج كالرجل قال تعالى : اسكن أنت وزوجك الجنة يعني أو بمحرمه أو بأجنبية منه قامت خلفه .
المذهب الشافعي
تقدم المأموم على الإمام ففيه قولان قال في القديم لا تبطل الصلاة كما لو وقف خلف الإمام وحده ، وقال في الجديد تبطل لأنه وقف في موضع ليس بموقف مؤتم بحال فأشبه إذا وقف في موضع نجس” ( ) .
قال ابن تيمية رحمه الله : ” إن الصلاة أمام الإمام تصح مع العذر دون غيره مثل ما إذا كان زحمة فلم يمكنه أن يصلي الجمعة أو الجنازة إلا قدام الإمام فتكون صلاته قدام الإمام خيرا له من تركه للصلاة وهذا قول طائفة من العلماء وهو قول في مذهب أحمد وغيره وهو أعدل الأقوال وأرجحها وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجبا من واجبات الصلاة في الجماعة والواجبات كلها تسقط بالعجز وإن كانت واجبة في أصل الصلاة فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز عنه من القيام والقراءة واللباس والطهارة وغير ذلك وأما الجماعة فإنه يجلس في الأوتار لمتابعة الإمام ولو فعل ذلك مفردا عمدا بطلت صلاته وإن أدركه ساجدا أو قاعدا كبر وسجد .
بعد النظر في أدلة أصحاب القولين تبين لي ما يأتي :
أن المسألة اجتهادية وليس فيها نص صريح لا للجواز ولا للمنع ، والأصل أن الصلاة إذا اكتملت أركانها وشروطها وواجباتها صحت ، فالقول ببطلانها يحتاج إلى دليل .
وتوسَّطَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّة رحمه الله، وقال: إنَّه إذا دَعَتِ الضَّرورةُ إلى ذلك صحَّت صلاةُ المأمومِ قُدَّامَ الإِمامِ، وإلا فلا ، والضَّرورةُ تدعو إلى ذلك في أيَّامِ الجُمعة، أو في أيَّامِ الحَجِّ في المساجدِ العاديةِ، فإنَّ الأسواقَ تمتلئُ ويصلِّي الناسُ أمامَ الإِمامِ ، وهذا القولُ وَسَطٌ بين القولين، وغالباً ما يكون القولُ الوسطُ هو الرَّاجح؛ لأنَّه يأخذُ بدليلِ هؤلاءِ ودليلِ هؤلاء.
وبهذا يتبين رجحان جواز الصلاة في كل المواقف في حالة الضرورة من ازدحام أو ضيق مكان أو غيرهما وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من جواز ذلك في حالة الضرورة ، وأما من غير ضرورة فلا شك أن السنة أن يكون المأمومون خلف الإمام في حال تعددهم والفرد يمينه .
والله تعالى أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .” الشيخ : عبد السلام عزمي “
