جود النبي صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فى رمضان …… بقلم الدكتور أحمد زكى

كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان يبلغ أعلى درجات الكرم والجود في شهر رمضان المبارك. وصفه ابن عباس بأنه كان «أجود بالخير من الريح المرسلة»، حيث يزداد عطاؤه وإنفاقه، وتلاوته للقرآن عند لقائه جبريل عليه السلام كل ليلة، مما يجعله قدوة في الإكثار من الصدقة، البذل، والمدارسة في هذا الشهر الكريم.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه و سلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. ( متفق عليه ) ورواه الإمام أحمد بزيادة في آخره وهي: لا يسأل عن شيء إلا أعطاه.
في هذا الحديث يخبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس وأكثرهم جودا على الإطلاق، وكان جوده يبلغ الغاية في شهر رمضان، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في رمضان ـ أكرم وأكثر عطاء وفعلا للخير، وأعظم نفعا للخلق من الريح الطيبة التي يرسلها الله بالغيث والرحمة.
فهو صلى الله عليه وسلم أجود الناس دائما، وفي صحيح مسلم من حديث أنس قال: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم– عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ“
وكان جوده –صلى الله عليه وسلم– كله لله وفى ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج أو ينفقه في سبيل الله أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر ويعيش في نفسه عيش الفقراء فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع.
والسؤال هنا: لماذا كان صلى الله عليه وسلم يضاعف جوده فى رمضان؟
قال أهل العلم: والسبب في أنه صلى الله عليه وسل كان يضاعف جوده فى رمضان إنما كان ذلك لرغبته في ثواب شهر رمضان ، فإنَّ أعمال الخير فيه مضاعفة الأجر، وليعين الصائمين على صومهم ، وليفطرهم ، فيحصل له مثل أجورهم كما قال ، ولأنه كان يلقى فيه جبريل لمدارسة القرآن ، فكان يتجدد إيمانه ، ويقينه ، وتعلو مقاماته ، وتظهر عليه بركاته ، فيا له من لقاء ما أكرمه ، ومن مشهد ما أعظمه !
قال الحافظ ابن رجب فى لطائف المعارف: وفي تضاعف جوده صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
منها : شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه . ومنها : إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، كما أن من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله فقد غزا .
ومنها : أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل والجزاء من جنس العمل.
ومنها : أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة كما في حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن في الجنة غرفا يرى ظهورها من بطونها من ظهورها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام” ( سنن الترمذي) وهذه الخصال كلها تكون في رمضان فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث.
والصيام والصلاة والصدقة توصل صاحبها إلى الله عز وجل، قال بعض السلف: الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق والصيام يوصله إلى باب الملك والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا قال: من تصدق بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا قال: “فمن عاد منكم مريضا”؟ قال أبو بكر: أنا قال: “ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة”. ( رواه مسلم)
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تفكير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها وخصوصا إن ضم إلى ذلك قيام الليل، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الصيام جنة” وفي رواية: “جنة أحدكم من النار كجنته من القتال” وفي حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار وقيام الرجل من جوف الليل يعني أنه يطفىء الخطيئة” (رواه النسائي ) وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “اتقوا النار ولو بشق تمرة” ( رواه البخاري) وكان أبو الدرداء يقول: صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور صوموا يوما شديدا حره لحر يوم النشور تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير. ومنها : أن الصيام لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص وتكفير الصيام للذنوب.
ومنها : أن الصائم يدع طعامه وشرابه لله، فإذا أعان الصائمين على التقوي على طعامهم وشرابهم، كان بمنزلة من ترك شهوة لله وآثر بها أو واسى منها .
ولهذا يشرع له تفطير الصوام معه إذا أفطر، لأن الطعام يكون محبوبا له حينئذ فيواسي منه حتى يكون من أطعم الطعام على حبه ،ويكون في ذلك شكر لله على نعمة إباحة الطعام والشراب له ورده عليه بعد منعه إياه، فإن هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها.
وله فوائد أخر: قال الشافعي رضي الله عنه : أحب للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.
فعلينا أن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في الجود والكرم، وتفطير الصائمين، والعطف على الفقراء والمساكين، تحصيلا للأجر والثواب في هذا الشهر الفضيل، مع الثقة واليقين في كرم الله تعالى أنه سيخلف علينا بالحلال زيادة وبركة في المال، كما قال سبحانه وتعالى: { وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} ( سبأ: 36) وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.) ( رواه البخاري)
وأولى الناس بصدقتك هم أرحامك، فالصدقة عليهم مضاعفة الأجر والثواب، كما قال صلى الله عليه وسلم:( الصدقةُ على المسكينِ صدقةٌ وعلى ذي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صدقةٌ وصِلَةٌ) ( رواه الترمذي)









