التخطي إلى المحتوى
اللواء.د/ محمد العبودى : تقنين تداول ومنع استيراد وتصنيع البديل لبرشامة الغلة..( القاتل الصامت)

بقلم : لواء  د / محمد عبد القادر العبودي.
أستاذ منتدب بأكاديمية الشرطة وحقوق الزقازيق سابقاً.

برشامة الغلة .. القاتل الصامت !!!

— الإنتحار هو إزهاق للروح وهو أمر مؤثم بكافة الأديان السماوية ، وتتعدد أسبابه ووسائل وكيفية اقترافه وأعمار مقترفيه ، ورغم أنه قديم قدم الزمان ويتم بمعظم دول العالم ومنها العربية رغم أنها الأقل لأسباب كثيرة ، وقد بدأت أعداد مقترفيه في مصر تتزايد خاصة بين فئة الشباب وصغار السن باستخدام وسيلة حديثة لم تكن منتشرة من قبل وهي ( إبتلاع ما يسمي ببرشامة الغلة ) والتي تسبب الوفاة لمتناوليها في صمت ، خلال ساعات قليلة دون علم ذويهم ، وهو الأمر الذي يستوجب دراسة أسباب ذلك وتحديد ما يجب عمله لمنع حدوثه مستقبلا ، ويقصد ( ببرشامة الغلة ) أقراص مبيد حشري واسع الإنتشار بأسماء تجارية مختلفة ومتعددة يتم إستيرادها لإستخدامها لحفظ الحبوب وحماية المحاصيل الزراعية من التسوس والقوارض خاصة بالمناطق الريفية في مصر بلفها بقطعة قماش وربطها بإحكام ووضعها بصوامع الغلال حيث ينبعث منها غاز الفوسفين عالي السمية ليقتل الحشرات والقوارض دون أن يترك آثاره على الغلال بمجرد تعرضها للهواء ، لكنها في ذات الوقت عالية السمية لإحتوئها على فوسفيد الألمونيوم بشكل مركز ، وتكمن خطورة هذه البرشامة في سهولة الإستخدام الخاطئ لها من الأطفال وصغار السن أو تعمد إبتلاعها بقصد الإنتحار ويساعد على ذلك إمكانية شراؤها بسعر زهيد من أي محل مبيدات زراعية ( مرخصة أوغير مرخصة ) ، نظرا لأنها غير محظورة ومصرح بإستخدامها .

— ويتمثل خطرها الأشد إيلاما في إطلاقها غاز الفوسفين ( شديد السمية ) والذي لايوجد علاج أو ترياق مضاد له حتى الأن ، والقرص الواحد ( البرشامة ) تنتج 1 جم من هذا الغاز وتكفي 500 مجم منه فقط لقتل الإنسان ، وتتفاعل هذه الأقراص فور دخولها المعدة مع المياه وعصارة المعدة وتنتج بالجسم هذا الغاز والذي لاتوجد له أعراض سريرية واضحة ، ولذلك يصعب التكهن بسبب الألام التي يعاني منها المصاب إلا في حالة إخباره أو أحد أفراد أسرته بتناوله هذه البرشامة والتي يسمىها الأطباء هي وغاز الفوسفين بالقاتل الصامت لقتله المريض دون أن يعلن عن نفسه بشكل ظاهر ، وينصحون بضرورة نقل المريض بأقصي سرعة ممكنة لأقرب مستشفى فور تناول هذه البرشامة لعمل غسيل فوري للمعدة ببيكربونات الصوديوم وزيت البرافين حيث يمكن إنقاذه ( بإذن الله سبحانه وتعالى )خلال ساعتين من تناول القرص ولكن بشرط عدم تناول الماء لأنه يساعد علي سرعة التفاعل وإطلاق الغاز السام ، وأنه يمكن لذوي المريض إعطاؤه زيت البرافين أوجوز الهند قبل نقله للمستشفى، لأنه يغلف البرشامة ويمنع تفاعلها مع حمض المعدة ويغطى غشاء المعدة ويمنع تسرب الغاز .

— وعقب كل حادث انتحار بإستخدام هذه البرشامة تثور المطالبات بمجلس النواب والإعلام بتقنين تداولها إلا أنه سرعان ما تهدأ لتتجدد عقب الحادثة التالية … وهكذا ، ونظرا للمخاطر الجمة التي تسببها هذه البرشامة ( رغم وجود فوائد عديدة لها ، حيث أن لبعض الأشياء منافع ومخاطر على حسب إستخدامنا لها ) فإن هذا الأمر يستوجب إتخاذ عدة إجراءات هامة ، منها : –

• ضرورة تجهيز سيارات الإسعاف بالمواد والأجهزة اللازمة لسرعة انقاذ تلك الحالات من زيوت وأساتر وأدوية وأكسجين ومواد منشطة لعضلة القلب لكونها أول عضو يتعرض للإصابة الشديدة في دقائق ثم الجهاز التنفسي ثم باقي أجهزة الجسم بالتدريج .

• تقنين تداول هذه البرشامة بيعا وشراءا وفقا لإجراءات صارمة مثل تلك المنظمة لتداول المواد المخدرة بيعا وشراءا بالصيدليات ، مع المتابعة المستمرة لمحلات بيع المبيدات الزراعية والغاء ترخيص من لا يتبع هذه التعليمات .

• البدء في منع استيراد هذه البرشامة لمخاطرها الشديدة ، وقد سبقنا في ذلك العديد من الدول منها عشرات الدول العربية والتي حظرت إستخدامها لتسببها في زيادة نسبة الوفيات وخاصة الأطفال، وحظرها لن يؤدي لأية أضرار للمحاصيل الزراعية لوجود بدائل متعددة أقل خطورة لضعف سميتها وإن كانت مكلفة ماديا ، وهو الأمر الذي يمكن معه أن يتم تكليف مراكز البحوث الزراعية وكليات الزراعة ( بالتعاون مع خبراء أجانب إن لزم الأمر ) لإستنباط ( إختراع ) مبيدات حشرية تصلح لذلك دون خطورة شديدة .