الاقتصادي الأمريكي آرثر لافر يحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد بأفكار ابن خلدون
ابن خلدون يضع أسس الاقتصاد الكلاسيكي في كتابه المقدمة
يحذر الدول من الإنفاق الترفي وأنه أهم أسباب التوسع في فرض الضرائب
يحذر من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي
يحذر من مصادرة الأموال والفساد
يعرف ابن خلدون بأنه “مؤسس علم الاجتماع “، ولكن لا يعرف الكثيرون أنه أيضًا “مؤسّس علم الاقتصاد”، ولكن من يطالع كتابه “المقدمة ” يدرك السبب وراء الاهتمام غير العادي بأفكار ابن خلدون الاقتصاية، هذا الاهتمام الذي بدأ بنشر الاقتصادي الفرنسي رينيه مونييه مقالة عام 1912 بعنوان الأفكار الاقتصادية عند الفيلسوف العربي ابن خلدون، وهو ما حفز أحد الباحثين إلى إعداد رسالة نال بها درجة الدكتوراه في الحقوق من جامعة ليون بفرنسا عام 1932 عن الأفكار الاقتصادية عند ابن خلدون، كما شهدت مصر رسالة علمية أخرى عن دور ابن خلدون في الاقتصاد. (رسالة دكتوراه أعدها د.محمد علي نشأت بعنوان “رائد الاقتصاد ابن خلدون” تقدم بها لجامعة فؤاد الأول (القاهرة)عام 1944). ثم تتابع الاهتمام بأفكار ابن خلدون الاقتصادية حتى عقدت عدة مؤتمرات عنه كان منها المؤتمر الذي عقد في القاهرة عام 1962م (انظر: د.محمد حلمي مراد: أبو الاقتصاد ابن خلدون، أعمال مهرجان ابن خلدون، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة ١٩٦٢). وفي عام 2006 عقد المركز الثقافي الإسلامي بمدريد بالتعاون مع البنـك الإسـلامي للتنميـة والجامعة الوطنية المفتوحة بمدريد UNEDوالمنظمة الإسـلامية للتربية والثقافة والعلوم ” الإيسيسكو”، مؤتمرًا عالمياً بمدريد بأسبانيا بعنوان:” الاسهامات الاقتصادية لابن خلدون”. وفي العام التالي انعقدت الندوة العلمية الإقليمية التي نظمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالتعاون مع جامعة آل البيت الأردنية، بالأردن في المدة من 21- 22 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 9- 10 مايو 2007م – بمناسبة المئوية السادسة لوفاة ابن خلدون، وكانت تحت عنوان ” عبدالرحمن بن خلدون: قراءة معرفية ومنهجية “ ابن خلدون يضع أسس الاقتصاد الكلاسيكي في كتابه المقدمة: من يطالع كتاب ” المقدمة “ لابن خلدون يتبين أنه قد وضع أسس الاقتصاد الكلاسيكي سواء في الإنتاج أو العرض أو التكلفة، ليس فقط بل وكان أيضاً رائدًا في تناول مفاهيم الاستهلاك والطلب والمنفعة والتي تعتبر بمثابة حجر الزاوية في النظرية الاقتصادية الحديثة، كما قام ابن خلدون بتحليل سوق السلع والعمل والأراضي ووضع أسس نظرية القيمة بالعمل هي الفكرة التي تبناها الاقتصاد الكلاسيكي فيما بعد، كما جزم بعض فقهاء الاقتصاد المعاصرين بتأثر آدم سميث بأفكار ابن خلدون، كما أن النظرية الضريبية التي وضعها ابن خلدون تبناها فيما بعد عالم الاقتصاد الأمريكي آرثر لافر. وتكلم ابن خلدون في مقدمته عن مسائل اقتصادية عديدة مثل:
تقسيم العمل والأسعار والنقود والعرض والطلب وتقسيم السلع إلى ضرورية وكمالية، وقد ساهم ابن خلدون بعدة أفكار اقتصادية حيث حلل نظرية النقود ورتب للنقود خاصية وهي الثبات النقدي، ورتب عليها وظيفتين: أنها أداة مبادلة، وأداة ادخار، كما حلل نظرية السكان وبين دورها في الازدهار والعمران، وسبق في ذلك الاقتصاديين بعده بأربعة قرون، ودرس ابن خلدون هذه المسائل الاقتصادية بطابع تحليلي ودرس البواعث والعوامل ذات الطابع الاقتصادي التي يخضع لها سلوك الأفراد والجماعات، كما وضح ابن خلدون العلاقة بين كمية النقود وبين القدرة الإنتاجية في الدولة وأثر هذه القدرة على عمرانها، وتفوق ابن خلدون على التجاريين في تحليل وظيفة النقود، بل ظهر أيضًا تفوقه على آدم سميث الذي كان يرى أنَّ التجارة الخارجية إنَّما هي تصريف الفائض عن الاستهلاك المحلي، حيث بيَّن ابن خلدون أنَّها تكون لتبادل المنفعة وللحصول على الذهب والفضة ابتغاء الحصول بهما على السلع الأخرى. ابن خلدون يحذر من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي: خصص ابن خلدون الفصل الثاني والأربعون من المقدمة، والذي تحدث فيه عن أن نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية، وأكد على ضرورة عدم تدخل السلطان في النشاط الاقتصادي، فيقول ابن خلدون إن: “… أوَّل ما ينمي الجباية ويثريها ويديم نماءها إنَّما يكون بالعدل في أهل الأموال والنظر لهم بذلك، فبذلك تنبسط آمالهم، وتنشرح صدورهم للأخذ في تثمير الأموال وتنميتها، فتعظم منها جباية السلطان…”. ويؤكد ابن خلدون على أن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي سيؤدي إلى احتكار الدولة للنشاط الاقتصادي وهو ما سيلحق الضرر بكافة جوانب النشاط الاقتصادي ؛ مما سيؤدي إلى الكساد، ويمكننا القول إن ابن خلدون أسس نظرية يطلق عليها بعض الباحثين مسمى ” تجارة السلطان مضرة للرعايا مفسدة للجباية”، فابن خلدون رأى في عصره طائفة من الحكام تركت المهام المناطة بها وانشغلت بالاتجار وممارسة الزراعة، وعلل ابن خلدون ذلك بمحاولة السلطان تعويض النقص في جبايته، ويدين ابن خلدون هذا السلوك من قِبَل الحاكم ويُقبِّحه ويؤكد أنه لا يجمل به، ولا يتحقق به رخاء الدولة. كما يؤكد ابن خلدون أن تدخل الدولة في التجارة أو ما أسماه بتجارة السلطان لا يستقيم مع مصالح الرعية، ولا الوفاء بما يحتاج إليه بيت المال، مؤكدا أنَّه غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة يجملها ابن خلدون في مضايقة الرعايا من الفلاَّحين والتجار لعدم التكافؤ بين رأس مال السلطان، و هذا الأمر سيؤدي الإضرار بالتجار والفلاحين، وربما ذهبت رؤوس أموالهم فينقبض الفلاَّحون عن الفلاحة ويقعد التجار عن التجارة، فيؤدي ذلك إلى ذهاب الجباية جملة، أو أن يدخلها النقص المتفاحش. وحاول البعض القول بوجود تقارب بين مفهوم اليد الخفية عند آدم سميث وبين أفكار ابن خلدون، في ذهب البعض الآخر إلى أن أفكار جون ماينارد كينزي – التي ترى وجوب تدخل الدولة لضبط النشاط الاقتصادي – هي التي تقترب من أفكار ابن خلدون، وهو ما يدل على مدى ثراء أفكار ابن خلدون وتأثيره في علماء الاقتصاد من بعده. ابن خلدون يحذر من مصادرة الأموال والفساد: أكد ابن خلدون على أهمية العدل لتحقيق التنمية الاقتصادية، وبين مفهوم العدل في أهل الأموال وأنه يكون بتأمين أموال الناس وعدم مصادرتها (أي باحترام الملكية الفردية)، وإفساح المجال أمامهم للنشاط التجاري والزراعي والإنتاج ( أي تحقيق الحرية الاقتصادية ). وأكد ابن خلدون على ضرورة مراقبة السلطان لأنصاره ؛ ومنع حاشيته من مضايقة أصحاب النشاط الاقتصادي (أو ما يمكن تسميته الآن بمكافحة الفساد)، فكأنَّما يريد ابن خلدون أن يُنبِّه إلى القاعدة الاقتصادية الحديثة التي فحواها أنَّ رأس المال شديد التأثر فينشط حيثُ العدل والأمن والاستقرار، ويفر ويهرب ويختفي حيثُ الظُّلم والفساد والفوضى والمصادرات، كما يؤكد ابن خلدون في مواضع عديدة من كتابه على وجوب نشر العدل ونزع الظلم – بكل صوره – عن النَّاس كي لا تخْرب الأمصار وتكسد أسواق العمران وتقفر الديار، ويبين ابن خلدون أن من صور الظلم في البلد وضْع الضّياع في أيْدي الخاصَّة والعدوان على النَّاس في أموالهم. الإصلاح الضريبي عند ابن خلدون: عرض ابن خلدون لمسألة من أهم مسائل المالية العامة وهي الضرائب، وذلك في فصل عنونه “في الجباية وسبب نقصها”، ويقول ابن خلدون: ” اعلم أن الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة وآخر الدولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة، والسبب في ذلك أن الدولة إن كانت على سنن الدين فليست تقتضي إلا المغارم الشرعية من الصدقات والخراج والجزية وهي قليلة الوزائع لأن مقدار الزكاة من المال قليل كما علمت وكذا زكاة الحبوب والماشية وكذا الجزية والخراج وجميع المغارم الشرعية وهي حدود لا تتعدى. ابن خلدون يحذر الدول من الإنفاق الترفي وأنه أهم أسباب التوسع في فرض الضرائب: يؤكد ابن خلدون على خطر السرف والتوسع في الإنفاق الترفي، وأنه سيؤدي بالحكام إلى فرض الضرائب لمواجهة كثرة النفقات فيقول في هذا الصدد: “… فإذا جاء الملك العضوض…. وتخلق أهل الدولة حينئذ بخلق التحذلق وتكثرت عوائدهم وحوائجهم بسبب ما انغمسوا فيه من النعيم والترف فيكثرون الوظائف، والوزائع حينئذ على الرعايا والأكرة والفلاحين وسائر أهل المغارم… ويضعون المكوس على المبايعات وغيرها، ثم تتدرج الزيادات فيها بمقدار بعد مقدار لتدرج عوائد الدولة في الترف وكثرة الحاجات والإنفاق بسببه حتى تثقل المغارم على الرعايا وتهضمهم وتصير عادة مفروضة لأن تلك الزيادة تدرجت قليلا قليلا ولم يشعر أحد بمن زادها على التعيين… فتنقبض كثير من الأيدي عن الاعتمار جملة فتنقص جملة الجباية حينئذ بنقصان تلك الوزائع منها…. الاقتصادي الأمريكي آرثر لافر يحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد بأفكار ابن خلدون: يحذر ابن خلدون من الغلو في فرض المكوس أو الضرائب، ويؤكد أن هذا الأمر لن يؤدي إلى زيادة الحصيلة الضريبية وإنما إلى قلتها، وما نادى به ابن خلدون يمكن أن يسمى في عصرنا بمبدأ العدالة الضريبية، وهذه الأفكار التي تحدث عنها ابن خلدون طرحها العديد من الاقتصاديين – في المجال الضريبي – فيما يعرف باسم “نظرية العرض” التي اعتمدت على خفض أسعار الضرائب لتحفيز الأفراد والمشروعات على الاستثمار والإنتاج، وبذلك يزيد الناتج القومي وتزيد الحصيلة، فابن خلدون في هذا الموضع قد حلل الضرائب وبين أثرها على الاقتصاد وانتهى إلى وجوب خفض قيمة الضرائب المفروضة على الناس وأن ذلك يؤدي إلى زيادة حصيلة الواردات. وما ذهب إليه ابن خلدون هو نفسه ما انتهى إليه الاقتصادي الأمريكي الليبرالي آرثر لافر في المنحنى الذي اشتهر باسمه (Laffer curve) والذي حصل به على جائزة نوبلل في الاقتصاد، والذي يعتمد عليه قانون الإصلاح الضريبي الأمريكي الآن، والذي يعتمد على خفض قيمة الضريبة لزيادة حصيلتها،ويقرر آرثر لافر صراحة أن الفضل في إبداع منحنى لافر يرجع لابن خلدون. وهو ما أكد أن زيادة معدلات الضرائب لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة الإيرادات الضريبية، وإنما تضعف النشاط الاقتصادي فتقلل تدفق الإيرادات الضريبية، في حين أن خفض معدلات الضرائب يزيد الإيرادات الضريبية من خلال زيادة النشاط الاقتصادي، ولقد كان لهذه النظرية التي دعا إليها آرثر لافر الفضل في اعتماد ما يسمى بسياسات جانب العرض الاقتصادية والتي اعتنقتها الولايات المتحدة الأمريكية إبان حكم الرئيس رونالد ريجان ؛ والمملكة المتحدة أيام مارجريت تاتشر، وهذه النظرية التي يعبر عنها بمنحنى لافر.