جلال أمين وقصة الاقتصاد المصري

103

حينما قرر المفكر جلال أمين مناقشة الاقتصاد المصرى فى حقبة مبارك، لم يكتف مثل غيره بقراءة ما آلت إليه الأمور، بينما ذهب بعيدا للنبش فى بدايات هذا الاقتصاد، حيث تناول فى كتابه المهم الذى يميل إلى التاريخ الاقتصادى «قصة الاقتصاد المصرى من عهد محمد على إلى عهد مبارك»، ويتناول فيه مرحلة مهمة من تاريخ مصر الاقتصادي، منذ عهد محمد على بداية القرن التاسع عشر، ومرورًا بأبنائه، ثم ممارسات الاحتلال الإنجليزي، ثم مرحلة الثورة عبر عهد عبدالناصر والسادات، وانتهاء بعهد مبارك.

وتدور الفكرة الرئيسية للكتاب حول محاولة مصر تحقيق الاستقلال الاقتصادي، إذ بدأت من عهد محمد علي، ولكن كانت هذه المحاولات تواجه بمشكلات التمويل، ومحاولات السيطرة الخارجية.
وأشار جلال أمين خلال كتابه هذا أن الإرادات كانت مختلفة من حاكم إلى آخر فى الاستجابة للضغوط الخارجية أو إشكالية التعايش مع هذه السيطرة، سواء عبر قبولها أو السعى إليها، إلا أن من قبلوا هذه السيطرة وحاولوا التخلص منها كانت حياتهم أو سلطتهم هى الثمن المقابل لذلك.
ويركز الكاتب فى صفحات الكتاب الأولى على قضية تمويل التنمية، ومدى النجاح أو الفشل فى الاعتماد على مصادر تمويل محلية، أو صنع سياسة اقتصادية تعمل على تفادى الانزلاق فى مأزق الديون، فيصف عهد محمد على بأنه عهد التنمية بلا ديون، وأنه نجح فى أن ينفذ العديد من مشروعاته التنموية فى مجالات الصناعة والزراعة والتجارة، بعيدًا عن التمويل الخارجي، واعتماده آلية الاقتراض من الداخل، والسداد من خلال تحقيق وفورات التجارة الخارجية، كل هذا رغم حجم الضغوط التي مورست على محمد على من قبل أوروبا لتحجيم تجربته وحصرها فى إطار قُطرى لا يتجاوز مصر، وأن يدور فى فلك الاقتصاد الأوروبي.
إلا أن محمد على لم يكن منفصلا عن الاقتصاد الغربى بل كان مندمجًا به من حيث حجم تجارته الخارجية الواسعة مع الغرب، أو من خلال استيراده للعدد والآلات اللازمة لتطوير المصانع، أو تطوير الزراعة ومشروعات الري.
وقد اختلف الموقف تماما مع أبناء محمد علي، فاتسم عصرهم بأنه عهد الديون بلا تنمية. إذ انغلق عباس على نفسه ولم تطل فترة حكمه، ثم ولى الأمر من بعده، شقيقه سعيد الذى اتخذ من ولائه للغرب وصداقته لسفراء وقناصل الدول الأوروبية مطية لاستمرار حكمه، وقد تورط سعيد فى الديون الغربية؛ سواء من خلال الاقتراض بشكل شخصى من فرنسا، أو الاقتراض باسم حكومته من مصرف ألماني، فانتهت ولاية سعيد على سبيل المثال بديون على مصر تقدر بنحو ١٨ مليون جنيه إسترليني. ولم يكن عهد إسماعيل بأفضل من سعيد، إذ سيطرت عليه فكرة إعادة بناء المدن المصرية على غرار المدن الأوروبية، إلا أنه تمادى فى الاقتراض من الخارج بشكل كبير، حتى وقعت مصر تحت سيطرة الإدارة الأجنبية على مقدراتها المالية.

التعليقات مغلقة.