التخطي إلى المحتوى
  في حب الوطن مصـــــر التي في خاطــــــــري‏!‏                                  سناء البيسي
نستمتع بأنشودة جميلة عذبة في صحبة طه حسين‏,‏ توفيق الحكيم‏,‏ زكي نجيب محمود‏,‏ العقاد‏,‏ شوقي‏,‏ امل دنقل‏..‏ وغيرهم من رموز مصر الذين يتحدثون عن أحوالها ودورها وكيانها العظيم الخالد‏..‏ تقول لنا‏:‏
اخترت هذا الكتاب ربما لأنني اشعر الآن تحديدا بحاجتنا الماسة للوقوف الي جوار مصر.. علينا جميعا ان نلتف حول مصر.. نحيط بهذا الاسم الجميل ونتفهم قيمته وعظمته.. علينا ان نبحث عن وطننا ونحتويه في قلوبنا..

وفي خضم هذه المتاعب والازمات التي يواجهها, نقف الي جواره ونشد من ازره, فهذه هي حقا رسالة الحب التي نبثها له..
هذه بعض من مقتطفات كتابات كبار كتابنا في حب مصر..
يتحدث هنا طه حسين عن مصر ويقول: أحب مصر لأنها مصر..
احبها لكل ما ألم بها من خير وشر ولكل ما اختلف عليها من عز وذل.. ولكل ما اصابها من سعادة أو شقاء..
وها هو توفيق الحكيم يؤبن طه حسين يوم وفاته في28 اكتوبر عام1973 عام انتصار اكتوبر ويقول محدثا روحه:
انك ايها الصديق العزيز, اذ تعبر اليوم الدار الفانية الي الدار الباقية انما تعبرها بنفس مطمئنة راضية, بعد ان عبرت بلادك الهزيمة, ان روحك العظيمة لم تشأ ان تفارق جسدك الا بعد ان فارق اليأس روح مصر.
ويقول طه حسين معتزا بمصريته: انا المصري.. واذا ذهبت مذهب المتحدثين في السياسة المصرية فأنا مصري قبل كل شيء وبعد كل شيء, ولا اعدل بمصر بلدا, ولا أوثر علي الشعب المصري شعبا آخر مهما يكن.
ويصف توفيق الحكيم شخصية مصر فيقول: ان مصر ليست كتابا مفتوحا, انما هي هيكل قديم مغلق يحوي كنوزا, قد ضاع مفتاحه, فعلينا قبل كل شئ ان نفتح بابه ونستخرج ما فيه.. ليس من الخير ان نظل طوال الزمن نتغني بمفاخر هذا الهيكل, ونحن نائمون علي اعتابه, ولكن المصلحة كلها في ان نذكر انفسنا دائما بما فينا من كسل ونقص وخمول وان نهب علي اقدامنا للعمل.
ويقول العقاد: نحن المصريين اوشكنا بعد الشكوي من الهبوط المعنوي ان نشكو( المغالومانيا) او هوس العظمة والادعاء واخشي ان اقول بل هوس آخر أضر من هوس العظمة والادعاء وهو الافتتان بالذات الذي يسميه النفسانيون بالنرجسية, اننا نفخنا الغرور في جيل من الناشئين, فإذا غلب الغرور عليهم, فقد ضاع كل ما كسبته الانسانية بعد عشرة آلاف سنة.
ويتحدث طه حسين عن مصر والحضارات.. ويقول: عن مكانتها, والسبل الي النهوض من كبوتها في عروبة مصر او فرعونيتها, فذلك شيء لايفكر فيه المصريون, إلا حين يريدون ان يتحدثوا في العلم, او فيما يشبه العلم من الحديث, واما مصر التي تملأ قلوب المصريين وتدفعهم الي الامل والعمل دفعا فهي فوق الفروض جميعا وهي فوق علم العلماء, وبحث الباحثين وفلسفة الفلاسفة.. مصر اكبر من اهلها, وأجدر ان يسكنها جيل من الناس يقدر حقها واملها وتاريخها.
اما السبيل الي اخراج مصر من هذا كله, وردها الي ما يلائمها من الحياة التي تسعها فأمر يسير, واي شيء ايسر من ان تنزع ثوبا باليا ضيقا لتلبس مكانه ثوبا جديدا فضفاضا جميلا.. هذا شئ يسير.. يسير كل اليسر, لايحتاج الا ان تجد هذا الثوب الجديد, فمتي.. او كيف يتاح لمصر ان تجد هذا الثوب الجديد الفضفاض الجميل؟!
ويتحدث العقاد عن سياسة مصر واحوالها فيقول:
سياستنا ـ كما قال المقريزي ـ علي كل لسان وهذا هو البلاء والعياذ بالله.. هذا هو البلاء لأن السياسة التي علي كل لسان يسمع هي الخطأ الكثير والصواب القليل.. العلة هي طول العهد بالاستبداد مئات السنين, فان المستبدين قد احتكروا الحكم وتركوا الناس يتكلمون كما يشاءون.. وانما يزن الانسان كلامه, وكلام غيره اذا كان يتكلم.. وهو مسئول عن عمله ينجزه ويحاسب عليه, ولكنه اذا تكلم وهو غير مسئول فلا حاجة الي وزن الاقوال وتقدير الاعمال, واذا طال هذا البلاء جيلا بعد جيل فليس باليسير ان نتخلص منه بين ليلة ونهار.
ويقول دكتور محمد حسين هيكل: ابناء مصر لايعرفون مصر… من الظلم ان يوجه اللوم في ذلك الي شبابنا وكهولنا.. انما يوجه اللوم اولا للقائمين علي أمر التعليم فينا اليوم وللذين كانوا قائمين به من قبل.
وها هو د. زكي نجيب محمود يحدثنا عن حبه لمصر ويقول: لماذا ازهو بمصريتي:
ان مصر كانت دائما محور التاريخ خلال الحضارات الاربع, حيث لم يكن في وسع احد حتي اذا اراد ان يتجاهل دورها لأن مصر في الواقع ابداع تلك الحضارات الاربع ولم تكن مصر في التاريخ جزءا هاما انما كانت هي التاريخ.
ونراه يعرض هنا لدورها في نشر الاسلام والتراث الاسلامي فيقول: لولا مصر لما كان اسلام او علي الاقل لما كان تراث اسلامي لماذا؟ لانه خلال القرون الثلاثة الاولي للاسلام التي هي القرن الثالث عشر والرابع عشر, والخامس عشر, كان التتار يزحف علي العالم الاسلامي, دخلوا علي بغداد واحرقوا كل ما فيها من كتب حتي تقول الاساطير انه من كثرة القتل جعلوا نهري دجلة والفرات نهرين من الدم ثم زحفوا علي سوريا واصبحوا علي مشارف دمشق وكان الجيش المصري هو الذي ردهم علي اعقابهم..
خلال هذه القرون الثلاثة تحدي المصري عالما بأكمله, اقبل علي الشعر العربي يدونه قبل ان يضيع الي ان تكدست المراجع التي نشير اليها الآن.. عندما نقول( التراث الاسلامي), حفظوا اللغة العربية وشعر العرب, وكان اعظم كتاب في النحو بعد سيبويه, كتاب مصري هو لابن هشام قال فيه ابن خلدون في المقدمة: ان ابن هشام أنحي( أي اكثر منه في النحو) من سيبويه, ثم كان التصوف الإسلامي الذي نشأ مصريا( ابن الفارض) وحقيقة انني أرتعش اجلالا عندما اذكر الشيخ المصري الإمام البوصيري لانه اعطانا اروع ما عرفه الأدب العربي من مدائح الرسول القصيدة التي الفها وسماها بالبردة وبعد ذلك بستة قرون تقريبا أتي شاعر مصري آخر هو احمد شوقي, ونسج علي منوال سلفه المصري الإمام البوصيري, قصيدة نهج البردة علي نفس الوزن ونفس القافية لقصيدة البوصيري.
يقول مطلع قصيدة البوصيري:
امن تذكر جيران بذي سلم..
مزجت دمعا جري من مقلة بدم
ويقول شوقي في قصيدته:
ريم علي القاع بين البان والعلم
أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
شاعران مصريان وصلا الي القمة, لا اظن ان قصيدة اخري في الادب العربي كله في مدح الرسول تدنو منها..
شاعران بينهما ستة قرون التقيا معا علي قمة الشعر الممزوج بالصوفية.
ويحدثنا ايضا د. زكي نجيب محمود عن اعتدال المصري المسلم فيقول:
لقد تميز الإسلام في مصر بأشياء كثيرة انبعثت من روح المصري الذي عرف باعتداله والذي لم ينجرف قط الي ما نسميه اليوم بالمتطرفين, لم يتطرف المصري ابدا ولذلك اعتدل في دينه واعتدل في عقيدته لأنه سلمي بطبعه, ولانه يريد ان يسير علي القاعدة ويحب ان يجمع بين المذاهب الاربعة, والذي قد لايتيسر له في مذهب احد الفقهاء ربما يجده عند الآخر وهكذا كان الوعي الديني في مصر معتدلا دائما باعتدال المصري في طبيعته وتاريخه.. وفي مصر نشأ الفن الإسلامي, وانا لا اعرف ماذا كانت تكون قصة الفن الإسلامي ما لم تكن هناك مصر وفنها.. اظن ان الرواية كانت تنقص تسعة من فصولها العشرة..
ويقول ايضا عن مصر: كانت مصر مقصد الانبياء, قصد اليها ابراهيم عليه السلام عندما ضاق به العيش في فلسطين وجاءها بزوجته الاولي, ثم تزوج بعد ذلك هاجر المصرية, ولاذ بها عيسي ـ عليه السلام ـ وهو طفل ونشأ فيها موسي صبيا.. ويقول عنها الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ انها كنانة الله في ارضه.. فما معني كلمة كنانة؟ الكنانة هي المخزن الذي يوضع فيه السلام..
الفارس عندما يحارب يخزن سلاحه في كنانة اي في جراب كبير يسع عدة اسلحة.. فمصر هي عتاد في رأي الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولعله كان يقرأ المستقبل.
الأربعاء 5 من صفر 1431 هـ   20 يناير 2010 السنة 135 العدد 44970