التخطي إلى المحتوى
الأوقات الجميلة                                                 بقلم الكاتب الكبير الراحل: عبد الوهاب مطاوع 
تراودني نفسي أن أكتب اليك منذ زمن طويل لأروي لك قصتي ولقد جاءت الفرصة أخيرا فلم أتردد‏,‏
 فأنا رجل خضت بحر الحياة العملية منذ تخرجي في كليتي العملية وأنا في الحادية والعشرين من عمري.. فعملت في احدي الهيئات.. وبدأت أتطلع للحياة.. وبعد عامين من تخرجي رجعت من عملي ذات يوم فوجدت في بيتنا ضيوفا.. من أقاربنا المقيمين في الاقاليم ولم أكن قد التقيت بهم من قبل لأني ولدت في القاهرة ودخلت الي الصالون للترحيب بهم فلفتت نظري علي الفور فتاة صغيرة آية في الجمال الاخاذ بالرغم من بعض الشحوب في وجهها فوقفت ذاهلا أمامها وصافحتها وقدمتها لي أمي فقالت لي انها ابنة خالتي الطالبة بإحدي الكليات الاقليمية, ولم أكن أعرف من الأصل أن لي خالة في تلك المدينة. ثم فهمت من سياق الحديث ان والدتها ابنة خالة أمي, وبالتالي فهي في منزلة أختها وابنتها في منزلة ابنة الخالة بالنسبة لي.. وجلست مسحورا أسترق النظر الي الفتاة الجميلة فألاحظ انها خجولة.. وحيية.. ولا تشعر بجمالها.. وراودني احساس غامض بأنها منكسرة لسبب لا أعرفه بالرغم من أن مظهرها ومظهر أبويها يوحي بأنهم من متوسطي الحال.

وعرفت أن الأسرة قد جاءت إلي القاهرة لكي تستشير طبيبا كبيرا من أطباء العاصمة وستمكث معنا حتي يجيء موعد الطبيب ثم تسافر الي بلدتها في المساء.. وألح أبي وأمي عليهم بالمبيت لدينا وتأجيل السفر للصباح وشاركتهم الإلحاح حتي استجابوا.
وشعرت بتيار من الابتهاج الخفي يسري داخلي, وزارت الأسرة الطبيب ورجعت محملة بالأدوية, وأمضينا سهرة عائلية جميلة, لم تتكلم خلالها ابنة خالتي كثيرا لكنها كانت كلما تكلمت أحاطتها العيون بالحب والحنان.
وسافرت الأسرة في اليوم التالي, ووجدتني أصارح أختي التي تصغرني بعامين بإعجابي بهذه الفتاة وتفكيري في التقدم لخطبتها وسألتها عن رأيها فيها وقد قضت الليل معها في غرفة واحدة.
فنظرت لي اختي في عطف وقالت لي انها كالملاك في رقتها واخلاقها لكنها للأسف مريضة وصدمت حين سمعت ذلك وعرفت انها قد مرضت وهي في الرابعة عشرة من عمرها بحمي روماتيزمية أثرت علي قلبها وتعالج منذ ذلك الحين بانتظام وبعد شهر رجعت الأسرة لزيارتنا لنفس الغرض.. ووجدتني متلهفا إلي رؤية الفتاة والحديث إليها, وشعرت بأنها تبادلني الاهتمام والإعجاب ثم تكررت الزيارة بعد ذلك عدة مرات وصارحت أمي وأبي برغبتي في الارتباط بها.
وشاركتني امي تقديري لاخلاقها ومميزاتها لكنها ترددت أمام مرضها, وتفكر ابي في الأمر طويلا وحذرني من المتاعب الصحية التي قد تتعرض لها الفتاة بعد الحمل والانجاب, لكنه لم يخف اعجابه بأخلاقها وجمالها وطيبة أهلها, ثم لم يلبث ان تخلي عن تحفظاته راجيا لي السعادة وفي موعد الزيارة التالية انتهز أبي فرصة وجود الأسرة كلها في الصالون وأشار الي رغبتني في خطبة ابنة خالتي.. فتضرج وجهها بالاحمرار بالرغم من شحوبه واغرورقت عينا الأب بالدمع.. وتمتم قائلا: وهل يعرف؟ فأجابه أبي بالإجابة, أما أمها فلم تتمالك نفسها وانهمرت دموعها كالمطر وأطلقت وهي تبكي زغرودة طويلة! وطلب الأب من زوجته وابنته ان ينتقلا مع أمي الي الغرفة الأخري ليختلي بي وبأبي, وبعد مغادرتهن قال لي ان واجبه يفرض عليه ان يضعني في الصورة بالنسبة لظروف ابنته الصحية, وروي لي كل شيء عنها واطلعني علي تقاريرها الطبية, ومنها شهادة تفيد ان حالتها الصحية لا تمنعها من الزواج ولا من الحمل والانجاب ولكن لمرة واحدة أو مرتين علي الأكثر وتحت الاشراف الطبي. وانها قد تحتاج الي جراحة لاستبدال صمام في القلب في المستقبل ربما بعد عشر سنوات أو عشرين أو أكثر حسبما تتطور الحالة, وسألني هل أنت مستعد لتحمل كل ذلك, وأجبته بالايجاب, فأمسك بيدي بقوة وقال لي وصوته يتحشرج, اذن علي بركة الله, وتأكد من انني لا أريد منك شيئا سوي أن تسعد ابنتي وان تقف الي جوارها في ظروفها. لانها طيبة وتحب الناس وتتوقع الخير دائما فأقسمت له انني سأكون لها نعم الزوج والرفيق, وتمت خطبتي لابنة خالتي هذه. وتورد وجهها الجميل الفاتن بحمرة الفرح والسعادة ووجدتني مع الاقتراب منها أسيرا لحبها وأغدقت هي علي طوفانا من الحب والحنان وتمسك والدها بألا يكلفني من أمري رهقا فحدد لي قيمة المهر والشبكة وفوجئت بتواضع المبلغ الذي حدده والذي يقل كثيرا عما تفرضه التقاليد في أوساطنا العائلية وتزوجنا وقام الرجل بإعداد جهاز ابنته بسخاء شديد وكرم زائد لانها ابنته الوحيدة.. ولعطفه الكبير عليها بسبب ظروفها وزادتني العشرة حبا لزوجتي وتقديرا لسجاياها.. فلقد وجدتها تحمل قلب طفل لايزيد عمره علي5 سنوات وروحها جميلة.. وودودة.. وترغب دائما في كسب مودة كل من يتعامل معها, ولا تبخل بشيء لإسعاد شريكها, ولا تتأخر عن مساعدة أي محتاج.. وشهمة شهامة حقيقية في كل مواقف الحياة, فأحبها أبي وأمي واختي وكل أقاربنا حبا شديدا. وأخلصت هي لهم الحب والمودة وغرقت أنا في حبها حتي الثمالة حتي لم تعد تطيب لي أوقات الحياة الا وهي جواري وحتي أصبح مجرد النظر الي وجهها الفاتن يسعدني.. ولو لم أقترب منها.. وحملت زوجتي.. وبدأت معاناتها الصحية.. لكني وقفت الي جوارها.. وشددت أزرها الي ان مرت محنة الحمل والانجاب بسلام ورزقني الله منها بطفلة صورة مكررة من جمال امها وسحرها ونصحني الطبيب بعد ميلاد طفلتي بعدم تكرار الحمل والانجاب مرة أخري لكيلا أعرض صحة زوجتي للخطر لانها قد انهكت في التجربة الأولي. وأرتضيت بذلك عن طيب خاطر, كما اتضيت كذلك بالصبر علي رغبتي المشروعة في زوجتي في أوقات كثيرة حرصا علي عدم ارهاقها وتجاوزت عن بعض مطالبي المنزلية كزوج تجنبا لاجهادها.. ودربت نفسي علي القيام بكل الأعمال الشاقة التي تعجز هي عن القيام بها دون مساعدة, فإذا دعوت أبي وأمي وأختي للغداء مثلا أو لحفل عيد ميلاد طفلتي مثلا قمت عن زوجتي بمعظم أعمال المطبخ أو اشتريت طعاما من الخارج, وهكذا.. فمضت حياتنا هادئة وجميلة ومعطرة بعطر الحب والحنان, ولم نختلف حتي علي أتفه الأشياء فإذا تعارضت ارادتي مع ارادتها في شيء كانت هي اسرع مني في التنازل عن رغبتها ارضاء لي.. ولم نبت ليلة واحدة متخاصمين.. بل ولم نبت ليلة واحدة اذا لم أكن مسافرا الا ونحن متعانقان كالعشاق وكل منا يتطلع الي وجه الاخر في حب ولقد أطلت في الحديث عن مقدمات تعرفي بزوجتي وحياتي معها وأحسبك الان تتخيل ان هذه السعادة قد دامت اربع أو خمس سنوات ثم اشتد المرض علي زوجتي ورحلت عن الحياة تاركة لي طفلتنا الصغيرة ولكن الحقيقة غير ذلك تماما, فلقد طالت سعادتي مع زوجتي الجميلة سنوات وسنوات.. تخللتها فترات من اشتداد المرض لازمت فيها الفراش في بعض الأوقات وقمت أنا وابنتي برعايتها وتخللتها فترة ساءت فيها حالتها كثيرا قبل اجراء العملية الجراحية لها.. وبعدها.. ثم استردت صحتها بعد الجراحة ببضعة اشهر ورجعت تنهل من نبع الحب الذي حرمت منه طوال اشتداد المرض.. ورجعنا بعد ذلك الي حياتنا الطبيعية واستمتعنا بكل لحظة فيها.. وزرنا كل مصايف مصر ومشاتيها.. وسجلنا أوقاتنا الحلوة معا بالصور.. وبكاميرا فيديو وعلي شرائط الكاسيت.. وسعدنا بصداقات وسهرات عائلية جميلة وانتشيت بملاحظة حب كل من يقترب من صديقات زوجتي,. واهتمامهن بها وحرصهن علي مودتها وسمعت من أكثر من واحدة منهن قولها عنها انها نعم الاخت لكل من تعرفها. وتعاونا نحن الاثنين علي رعاية ابنتنا وتربيتها وغرس القيم والمبادئ في وجدانها وقلت لابنتي دائما إنني أريد ان تتمثل بأمها في طيبة قلبها وصفاء نفسها وبراءتها وتدينها وحرصها علي فروض دينها وحبها لأهلها وزوجها وأسرتها وللناس اجمعين.
ودارت دورة الأيام فبلغت ابنتي سن الشباب واصبحت فتنة للناظرين كأمها.. واستشعرت زوجتي ميلها لشاب من اقاربنا وهي في عامها الجامعي الثاني.. فطلبت مني ان أفعل معه مثلما فعل والدها معي.. وان اطمئنه الي ان ضعف امكاناته المادية لن يحول بينه وبين السعادة ودفعتني بقوة في هذا الاتجاه لكي نعصم ابنتنا ونحميها من الاخطار وضحكت بيني وبين نفسي حين وجدتني أكرر علي الشاب نفس العبارات التي قالها لي والد زوجتي قبل أكثر من عشرين سنة.. وخطبت ابنتي له.. ورفرفت السعادة بجناحيها علي بيتنا الجميل.. وبعد عام اخر تم عقد القران وحددنا موعد الزفاف بعد عشرة أشهر.
ثم فجأة تدهورت صحة زوجتي واشتدت عليها العلة.. واكتشفنا للأسف ان علتها ليست في قلبها هذه المرة وانما في مرض اخر قاس ولعين.. ودخلنا دوامة العلاج والتحاليل والجراحات والمستشفيات.. لأكثر من ثلاثة أعوام ثم رحلت حبيبة القلب عن الحياة ويدها في يدي.. وهي تدعو لي ربها ان يبارك لي في نفسي وصحتي ومالي وابنتي وتشكرني.. هل تصدق ذلك؟ تشكرني علي ما منحته لها من سعادة طوال سنوات زواجنا وتشكرني علي مساعدتي لها في أوقات مرضها.. وصبري علي نفسي في فترات محنتها, وعدم تطلعي لغيرها من النساء برغم فترات الحرمان الطويلة معها خاصة في الأعوام الثلاثة الأخيرة.. وتقول لي انها سوف تتزوجني في الجنة كما تزوجتني في الارض ولن تدعني لغيرها أبدا ولو كن من الحور العين.. وسيستجيب ربها لرغبتها لانها لم تقترف حراما طوال عمرها.. وتطلب مني الا ابكيها بعد رحيلها.. وان اتمالك نفسي بعد الرحيل.. وافكر في نفسي لانني مازلت في رأيها في طور الشباب. ورحلت شريكة القلب في هدوء, وخلا علي البيت وغرقت في الحزن والاكتئاب لأكثر من عام رفضت خلاله بإصرار ان أسمح لابنتي وزوجها بالاقامة معي لبعض الوقت للتخفيف عني. ورفضت مبيتهما لدي في المناسبات وقلت لهما انني لست وحيدا كما يتصوران لانني أري وجه زوجتي الجميل الذي مازلت مغرما بالنظر اليه في كل مكان في الشقة.
وأبيت في فراشي وهي الي جواري تنظر الي نظراتها الباسمة الطيبة وأقبلها كل ليلة قبل النوم كما اعتدت أن أفعل طوال26 عاما.. واراها وهي تغسل لي شعري بالشامبو كل بضعة أيام وتدلكه بأصابعها الحانية, واراها وهي تكوي لي قميصي في الصباح وتصر علي ذلك مهما تكن مرهقة أو مريضة.. واراها تنفث في وجهي وملابسي عطر الكولونيا وراء باب الشقة كل صباح قبل الخروج واراها في الاصائل تجلس في غرفة المعيشة تستمع الي اغنية انا لك علي طول فتدمع عيناها وهي تطرز مفرشا صغيرا, أو تطرز الحروف الأولي من اسمي علي منديل ابيض, بل اني اصحو من نومي فأراها تسير في غلالة النوم الرقيقة حافية لكيلا توقظني وعائدة الي الفراش من غرفة ابنتنا بعد أن أطلت عليها وأحكمت الغطاء حولها كما أشعر بشفتيها كل صباح فوق وجنتي وهي تنبهني بحنان لأذهب الي عملي.. ولست في حاجة لمن يشوش علي بوجوده معي هذه الأوقات الجميلة لكن ابنتي وزوجها واختي ألحوا علي جميعا في استشارة الطبيب النفسي وقالوا لي انني لابد لي من علاج للاكتئاب. لانني أصمت كثيرا.. أكثر من طلب الاجازات من العمل.. وفقدت الحماس ـ واستجبت لرغبتهم علي غير اقتناع وترددت علي الطبيب عدة مرات ووصف لي بعض المطمئنات النفسية والمهدئات.. وطالبني بألا أخلو بنفسي كثيرا في بيتي.. وان اشارك ابنتي وزوجها واختي اهتماماتهم وأزورهم كثيرا.. واسافر في اجازات الخ..
والان ياسيدي فقد مر عامان علي رحيل زوجتي عن الحياة.. وبدأت اشعر بالضيق من نفسي بسبب أخجل من الاشارة اليه.. وهو أن وطأة الحرمان قد اشتدت علي.. بالرغم مني وأصبحت تقض مضجعي وتشعرني بالقرف من نفسي فلقد وجدتني أختلس بعض الأحيان النظرات غير البريئة الي اجساد بعض زميلات العمل فأشعر بالدماء الحارة تتدفق في عروقي.. واشعر بالضيق والندم علي ذلك واعتبره خيانة لذكري زوجتي الجميلة واتساءل كيف يتفق ذلك مع كل هذا الحب الذي حملته ومازلت احمله لها, ثم أضعف في أوقات أخري فأبرر ذلك لنفسي بأنني مازلت دون الخمسين من العمر وقد كابدت الحرمان ما يقرب من خمس سنوات خلال اشتداد المرض علي زوجتي وبعد رحيلها, كما ان سنوات زواجنا رغم روعتها وبهجتها كانت تفرض علي الصبر علي نفسي في أوقات كثيرة وطويلة, فالتمس لنفسي بعض العذر, وبين هذا وذاك تمضي ايامي فلا يضيئها الي جانب الذكريات سوي زيارات ابنتي وزوجها وطفلها لي ولا اكاد اعرف الابتسام الا حين اري وجه حفيدي الذي يبلغ من العمر عامين الان, ولقد عدت من جديد لملازمة المنزل كل مساء رافضا زيارة أحد أو استقبال أحد.. وأشعر بالقرف من نفسي حين تدب الدماء الحارة في عروقي وتذكرني باحتياجاتي المخجلة.. فما رأيك في ذلك.. وبماذا تشير علي.. وهل تري انني في حاجة الي العودة لزيارة الطبيب النفسي من جديد؟!
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
أسعد الناس حظا من حظي خلال رحلة العمر بحياة زوجية موفقة ومعطرة بعطر الحب والتراحم والفهم والوفاء والرغبة المشتركة في السعادة.
ومن رصيد السعادة وذكريات الحب والأوقات الجميلة في الحياة يستمد الانسان بعض قدرته علي مواجهة الأنواء والعواصف الي جانب تسليمه بقضاء الله وقدره وتقبله الحكيم لكل ما تحمله اليه رياح الحياة.
والمؤكد هو أن زوجتك الراحلة هذه كانت من هؤلاء الأشخاص الأبرار الذين وصفهم الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه فقال: هم القوم لا يشقي بهم جليسهم!
ومن هؤلاء الاشخاص ايضا الذين قال عنهم الامام جعفر الصادق انه اذا احب الله عبدا رزقه حسن الخلق, حيث رأي في ذلك جميع اسباب السعادة والتوافق مع الحياة والامتثال لأقدار الانسان فيها عن صبر وإيمان, فلا عجب ألا يشقي بزوجتك الراحلة أحد تعرف عليها أو اقترب منها ولا عجب ايضا في ان يشقي من بعدها عشيرها ويحتفظ لها بأجمل الذكري وأعمق الوفاء..
غير ان الحياة ميلاد جديد علي الدوام ياصديقي كما يقول لنا عالم النفس الأمريكي ايريك فروم. وليس من تمام الصحة النفسية للإنسان ان ينكر غرائزه واحتياجاته الانسانية أو أن يشعر بالتأثم لمجرد استشعاره نداءها الحار يسري في دمائه مادام يسيطر علي أهوائه في النهاية ولا يسعي للتفريج عنها بطريق غير مشروع.
كما أنه ليس في ذلك أبدا ما يدعو للخجل منه.. أو يتناقض مع حبك لزوجتك الراحلة ووفائك لها فانت في قمة رجولتك الان.. وراءك تاريخ ليس بالقصير من الحرمان وعدم الارتواء وتكابد الوحدة والفراغ العاطفي بعد رحيل الزوجة وزواج الابنة, فلماذا لا تعصم نفسك بالزواج مرة اخري لكيلا تسقط فريسة للاكتئاب أو تعرض نفسك للضعف البشري ذات يوم؟
لقد روي عن الإمام ابي حنيفة النعمان انه رجع من تشييع زوجته الراحلة فطلب من اصحابه ان يبحثوا له عن زوجة فتعجبوا لتعجله الزواج وهو الذي لم يكد يواري جسد زوجته ولم يكن ذات يوم من الباحثين عن متع الحياة الحسية, وسألوه عن ذلك فقال لهم ان شرار الناس عزابهم.. ولست احب ان القي الله عزبا, يقصد بذلك ان شرار الناس هم من يحتاجون الي الزواج ويقدرون عليه لكنهم يعزفون عنه تهربا من اعبائه النفسية والعائلية فيعرضون انفسهم للفتنة والوقوع في الإثم, وانت ياصديقي كل ظروفك الان مشجعة علي تكرار تجربة الزواج في حياتك بغير ان يتأذي به احد من اعزائك,, وانما علي العكس من ذلك سيسعدون به, ويطمئنون معه الي انك قد رجعت الي التواصل الطبيعي مع الحياة من جديد فانت تحيا في وحدة تامة.. وابنتك الوحيدة متزوجة وليس لديك اطفال صغار قد تساورك الشكوك في حسن معاملة زوجة المستقبل لهم كما انك قد قدمت للحياة من قبل كل أوراق اعتمادك التي ترشحك للوفاق والسعادة مع زوجة اخري بإذن الله, فلقد احسنت عشرة زوجتك الراحلة, واخلصت لها الود والوفاء وصبرت علي نفسك وأهوائك معها لكيلا تكلفها من أمرها رهقا وكابدت الحرمان سنين عددا بلا شكوي ولا تذمر ووقفت الي جوارها في ازمتها الصحية بإخلاص وحب وانت انسان قادر علي العطاء وملتزم بالفضائل والقيم الدينية في حياتك, والانسان الراغب بصدق في السعادة يستطيع ان يهبها لمن تشاركه حياته وان يستشعر قدرا كبيرا منها معها. وحتي ولو لم تكن تربطك بها في البداية عاطفة حارة كتلك التي جمعت بينك وبين زوجتك الراحلة من الوهلة الأولي وبحسن المعاشرة تدوم المحبة, كما يقول لنا الكاتب الامريكي ايمرسون وتنسج خيوطها خيطا بعد خيط حتي تصنع رباطا متينا يجمع بين الطرفين. فلماذا اذن تضن علي امرأة أخري بان تجد معك الامان والاطمئنان والصحبة الطيبة, انك لا تحتاج الي زيارة الطبيب النفسي وإنما إلي ان تجري مع نفسك حوارا عقلانيا هادئا. تتأمل خلاله حياتك وظروفك الحالية.. وتناقش مع نفسك بصدق هل تستطيع أن تحتمل الحياة علي هذا النحو إلي ما لا نهاية أم انك في حاجة ملحة الان الي من تشاركك حياتك وتؤنس وحدتك وتشبع احتياجاتك العاطفية والإنسانية؟
وحين تتوصل في نهاية الحوار الي الاعتراف بحاجتك المشروعة الي وجود امرأة أخري في حياتك الان اعط الاشارة لابنتك المحبة وزوجها واختك ولسوف يرشحون لك من تستحقها وتستحقك.. وتقضي الي جوارها بقية الرحلة في أمان ووفاق بإذن الله.

الجمعة 5 من رمضان 1432 هـ   5 اغسطس 2011 السنة 136 العدد 45532