التخطي إلى المحتوى
حكايات| هواجس نجيب محفوظ.. استمع لحديث «المومياء» وهزمته «اللحية»

نجيب محفوظ يعد سرًا أدبيًا يبسط فهمه ويصعب تحليله، فبراعة أسلوبه ميّزته بين أدباء جيله ومن سبقوه، وأيضا مخاوفه رغم بساطتها يصعب تحليل بعضها.

 

قالها «لا يخلو أي عصر من أسباب الخوف والقلق، الجميع مهدد»، نجيب محفوظ أديب نوبل، لم يخجل في أكثر من موقف أن يعبر عن هواجسه ومخاوفه – قولا وكتابةً – التي حاصرته كثيرا وقوضت أفعاله هزم بعضها واستسلم لأخرى.

 

 

 

العنق والذقن

 

لم يخجل صاحب نوبل نجيب محفوظ من الاعتراف بأكثر ما يزعجه، ويسبب له ضيق وتوتر شديدين، وذلك في إحدى اللقاءات الإذاعية التي سجلت معه في بيته احتفالا بميلاده، حيث صرح نجيب محفوظ أن من أكثر الأشياء التي أزعجته في حياته ارتداء رابطة العنق «الكرافت» وحلاقة «الذقن»، مشيرا إلى أنه استطاع أن يهزم الكرافت وقرر عدم ارتدائها أبدًا، فيما قال إنه استسلم من جهة أخرى لحلاقة «الذقن» فقد انتصرت عليه فيرى أنها “شر لابد منه” ولا يمكن التغلب عليها.

 

السفر «غربة»

 

أم كلثوم ابنة الأديب الكبير إن أبيها كان يكره السفر طوال عمره، حتى أنه رفض السفر، لاستلام جائزة نوبل، وحاول إقناعنا نحن بالسفر.

 

وأشارت إلى أن اقتراحه أفزعهم عندما رفض السفر وحاول عدد من أصدقائه إقناعه بالسفر إلا أنه رفض، وقد يكون سبب ذلك ضعف سمعه وبصره وأنه لم يكن يريد أن يكون في موقف.

 

ويحكى أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، طالبه بالسفر إلى يوغوسلافيا ضمن رحلته، ولكن انزعج كثيرا من القرار، ولكن اضطر إلى السفر.

 

 

«عودة المومياء»

 

وكل ما فات يمكن استيعابه، ولكن عندما يؤمن أديب نوبل بعودة مومياء للحياة فذلك ما لم يخطر على بال بشر، حيث ذكر نجيب محفوظ في مجموعته القصصية همس الجنون، قصة قصيرة بعنوان عودة المومياء، روى خلالها تفاصيل اكتشاف مقبرة حور، وكيف مات الأرنؤوطي باشا، التي لم يستطع تفسيرها تفسيرا منطقي.

 

وأكد محفوظ أن قصته «عودة مومياء»، هي قصة حقيقية، وأشار إلى ذلك في تقديمه للقصة قائلا: «أجد حرجًا كبيرٍا في رواية هذه القصة، لأن بعض حوادثها يخرق قوانين العقل والطبيعة جميعا ؛ ولو كان مردها إلى الخيال ما تحرجت ، ولكنها وقعت في عالم الحقيقة وكان ضحيتها رجل من رجال مصر الأفذاذ المعروفين في الأوساط».

 

ويكمل: «السياسية والأرستقراطية، وراويها الذي أنقل عنه أستاذ كبير بالجامعة، لا يجوز أن يرتقى الشك إلى عقله وخلقه، ولم يعرف عنه قط ميل إلى الأوهام والخرافات، ولكني  والحق يقال لا أدرى كيف أصدقها فضلا عن أن أحمل الآخرين على تصديقها، وليس ذلك لندرة المعجزات في عصرنا، فما لا جدال فيه أن عصرنا عصر المعجزات والخوارق، ولكن العقلاء في أيامنا هذه لا يقبلون أمرًا بغير تعليل، كما أنه لا يستعصى شيء على إيمانهم مع التعليل».

 

ويتابع: «المعقول ، وإني حيال قصة عجيبة لها من دواعي التصديق رواية حكيم وشواهد ملموسة، ولكن التحليل العلمي ما يزال يتأنى عليها، فهلا أعذر على شعوري بالحرج في تقديمها ؟».

 

وتأتي أحداث القصة في قصر محمود باشا الأرنؤوطي بصعيد مصر، بحضور الراوي البروفسير دريان أستاذ الآثار المصرية القديمة بجامعة فؤاد الأول، ومجموعة من أصدقاء الباشا من بينهم مسيو سارو ناظر مدرسة الفنون الجميلة العليا، والدكتور بيير طبيب الأمراض العقلية.

 

وقال الراوي إن الباشا كان من أغنى أغنياء مصر وأوسعهم ثقافة وأسماهم خلقًا وعاشقا لفرنسا لدرجة أن طعامه فرنسي وكلامه فرنسي، وأوصى بعرض مقتنياته بعد موته بمعارض ومتاحف فرنسا.

 

وكانت جلستهم الأخيرة بقصر محمود باشا الأرنؤوطي، عن الإبداع في اختيار لوحات منزله والتحف والأنتيكات الفرعونية، وأخذ الحديث مساره حتى أفصح الأرنؤوطي باشا ساخرًا بأنه أصبح ينافس البروفسيور دريان في اكتشاف الكنوز، فتعجب الحضور وانتبهوا للحديث، حتى روى الباشا قصته، مع اكتشاف الكنز قائلا.

 

«على بعد أذرع منا تجري عملية حفر جليلة الشأن في حديقة قصري، وأرجو ألا تسخروا مني يا سادة فقد فعلت ما كان يفعله الملوك الأقدمون مع السحرة والمشعوذين ولا أدري كيف رضخت وأذعنت، ولكن لا داعي للأسف فقليل من الخرافة يريح العقل الكلف بالحقائق والعلوم، ومجمل الحكاية أنه جاء قصري منذ يومين رجل معروف في هذا البلد يدعى الشيخ جاد الله، وألح في طلبي وبشرني بلأنه استدل بعلمه الروحاني عن وجود كنز ثمين في باطن حديقتي، وطلب مني السماح له بالحفر ومناني بالذهب واللاليء في مقابل أن أعده بـ«الحلوان»، فخطر لي خاطرا وقولت لماذا لا أجاري الرجل وأذنت له بالحفر.

 

وأخذ الباشا ضيوفه ليستطلعوا عملية الحفر، فوجد الشيخ يبشره بوصوله لباب المقبرة، فأثار ذلك فضول الجميع، حتى اندفع المتابعون للنزول وأقدامهم تتأرجح بين الخوف والفضول، ولم يستمعوا لنصائح الشيخ، ونسوا انه من دلهم بعلمه الروحاني عن المقبرة، ولم يتركوا له الفرصة كي يقرأ كلماته التي ستحميهم من لعنة الفراعنة، التي تنتظر كل من يحاول فتح مقبرة فرعونية، على حد وصف الشيخ، وحدثت الفاجعة.

 

رأى الشيخ عصفور فوق التابوت الموجود داخل المقبرة فصرخ وعندما التفت الحضور لم يروا شيئا، وسخروا منه، وقبل أن ينتهي البروفسيور من سخريته سمع صوت الخادمين يصرخان، فالتفت لهم مع الأرنؤوطي باشا بغضب فوجدهما في حالة رعب شديدة، والشيخ تصلبت عيناه ويداه الممسكة بالمصباح وينظرون إلى اتجاه التابوت فالتفت البروفسيور والباشا للتابوت وجدوا ما جعل الخوف يتسلل إلى قلوبهم فغطاؤه مرتفع ويرون المومياء مستلقية أمامهم، وبسرعة غريبة تحركت المومياء ووقفت على الأرض وتحدثت بصوت هز المكان غضبا، وسقط الشيخ مغشيا عليه، وظل الخادمان في حالة رعب هستيري، وانطفئ المصباح وتقدمت المومياء نحو الباشا وكأنها تعرفه وتحدثه على أنه أحد خادمها الذي يحاول سرقتها ومن هول الموقف سقط الأرنؤوطي باشا ولفظ أنفاسه الأخيرة.