التخطي إلى المحتوى

لم أعرف أهمية الإسعاف وقيمته إلا عندما خضت تجربة شخصية تعرضت فيها لصعوبة التنفس وأصبحت كل دقيقة تمر تعنى ابتعادى عن الحياة، ولكن كانت المفاجأة عندما جاء موظفا الإسعاف إلى بيتى بعد نحو ربع ساعة من الاستنجاد بهما، وفتح أحدهما حقيبة أخرج منها خرطوما دسه فى أنفى وبدأت أشعر بطعم الأكسجين فى صدرى، وأننى أقترب من الحياة، وبعد نحو نصف ساعة، سلمنى الإسعاف إلى المستشفى الذى تولى بعد ذلك رعايتى.

وقد سمعت قصة الإسعاف وتطوره من اثنين توليا وزارة الصحة: الأول الدكتور محمد عوض تاج الدين، وزير الصحة، فى الفترة من مارس 2002 إلى ديسمبر 2005، والثانى الدكتور حاتم الجبلى، وزير الصحة بعد ذلك من يناير 2006 إلى أن جاءت ثورة يناير 2011، التى كان يمكن أن يتضاعف ضحاياها كثيرا لولا أن مرفق الإسعاف فى ذلك الوقت كان قد استكمل عملية التجديد والتطوير، وأصبح مستعدا لمواجهة حالات الطوارئ كما حدث خلال الثورة.

مع الدكتور عوض تاج الدين تم استيراد 220 سيارة جديدة للإسعاف، قدمتها اليابان هدية لمصر، كانت الأساس لفكرة تطوير المرفق، لكن مع الدكتور حاتم الجبلى تصادف فى بداية توليه الوزارة أن أصيبت زوجته بنزيف حاد، واتصل من بيته فى جاردن سيتى بالإسعاف حتى يتولى نقل الزوجة إلى مستشفى دار الفؤاد.. إلا أنه ولثلاث محاولات فى الاتصال لم يردوا عليه. واضطر الوزير يومها إلى ترتيب إنزال زوجته ووضعها فى الكرسى الخلفى لسيارته وقيادتها إلى دار الفؤاد.. فى هذا اليوم قرر الوزير اتخاذ إجراء مع الإسعاف، ليس بهدف العقاب لأنه لم يرد عليه وإنما بهدف الإصلاح من أجل الناس الذين لابد أنهم يواجهون نفس ما واجهه الوزير وأصبح لديهم مرفق اسمه الإسعاف ولكن لا يسعف مريضا!.

كان أساس المشكلة الفلوس، وتصادف أن وقّع وزير الإسكان فى ذلك الوقت عقدا مع «شركة إعمار» الإماراتية، حصلت بموجبه «إعمار» على امتياز استغلال الأرض التى أقامت فوقها «مشروع مراسى» فى الساحل الشمالى نظير مبلغ كبير سددته لوزارة الإسكان. وبدأت خناقة بين الوزير الجبلى ورئيس الوزراء أحمد نظيف الذى وافق على إعطاء وزارة الصحة نحو مليار جنيه من فلوس «مراسى» على أساس أن يذهب المبلغ للوزارة واحتياجات مستشفياتها، بينما كان تصميم الجبلى على أن يخصص المبلغ بالكامل لمرفق الإسعاف، حتى يضع أساس نهضته التى تجعل منه إسعافا بمعنى الكلمة.

احتاج الأمر إلى عمل ضخم لزيادة السيارات وتزويدها باحتياجاتها، بعد أن كان مريض مثل حالتى تنقله عربة الإسعاف، يمد رأسه من نافذة السيارة بحثا عن نسمة هواء يشمها لأنه لم يكن الأكسجين قد دخل السيارات. واحتاج الأمر إلى ثورة فى رجال الإسعاف الذين كان اختيارهم يتم على حسب الماهية (نحو 300 جنيه)، وكان العاملون يحتكرون تشغيل أقاربهم، فتم تغيير الاختيار من أصحاب المؤهلات، وضوعفت المهايا إلى 1500 جنيه، فى الوقت الذى تم فيه توزيع سيارات الإسعاف على أنحاء الجمهورية بحيث يجرى عمل الإسعاف بطريقة لا مركزية، يتم فيها نشر سيارات الإسعاف وإخطار أقرب سيارة لمكان طالب الإسعاف، فيصل إليه فى دقائق، وهذه فى الحقيقة قيمة الإسعاف.

ولم يتوقف الإسعاف على البَّرّ، بل تم استغلال النيل وتخصيص لنشات إسعاف، وكذلك الاتفاق مع القوات المسلحة على تخصيص طائرتى إسعاف، إلا أن المشروع لم يستمر طويلا، بل سرعان ما توقف كما توقف مشروع آخر أساسه تخصيص 7 سيارات صغيرة تتولى إسعاف مريض يحتاج إلى علاج سريع، بحيث تكون السيارة مستشفى متنقلا للحالات التى لا تستدعى النقل إلى مستشفى.

لكن اللافت للنظر أنه ليس هناك تمويل أجنبى للإسعاف، وأن كل ميزانيته من الدولة، التى رفعت ميزانيته من 35 إلى 500 مليون جنيه. وفى رأيى أن هذا المرفق يستحق أن يوضع فى قائمة الذين تخصص لهم التبرعات، وفى الماضى كان مشهورا عن الإسعاف أن رجاله يمرون على البيوت فى عيد الأضحى ويطالبونهم بالتبرع للإسعاف «بفروة» خروف الضحية. ولا أعرف لماذا ولا كيف كانوا يتصرفون فيها، أما اليوم فإن التطور يستدعى أن يشارك الشعب فى تمويل هذا المرفق الذى ينقذ يوميا حياة الكثيرين المصري اليوم