التخطي إلى المحتوى
عبدالحليم محمود.. شيخ أزهر بدرجة رئيس وزراء
يعد الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الراحل، واحدًا من جيل الرواد العظام في تاريخ تلك المؤسسة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ الإسلامي، حيث حمل الشيخ على عاتقه منذ توليه تحقيق الريادة وتحويل تلك المؤسسة إلى منارة للتربية والتعليم في العالم الإسلامي، فاستحدث إدارة القرآن الكريم، وسعى لدعمها ونشرها في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
ولد الشيخ عبد الحليم محمود، يوم 12 من مايو 1910، بمدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، التحق بالأزهر، وحصل على الشهادة العالمية سنة 1932، ثم سافر على نفقته الخاصة لاستكمال تعليمه العالي في باريس، ليحصل على الدكتوراه سنة 1940، وحينما عاد للقاهرة، عمل أستاذًا بجامعة الأزهر، وبعد سنوات تم اختياره لتولي أمانة مجمع البحوث الإسلامية، ثم وزارة الأوقاف، ثم وعين وكيلًا للأزهر في 1970، وأخيرا شيخًا للأزهر عام 1973.
عُرف الإمام الأكبر بميوله إلى التصوف العقلاني في فهمه للدين الحنيف، وهو ما كشفه بصورة كبيرة في كتابه “التوحيد الخالص.. الإسلام والعقل”، ودافع محمود عن قضية وحدة الوجود التي يؤمن بها الصوفية بأن القضية التي يثيرها معارضو التصوف تفهم على نحو خاطئ، فالذي يعترض عليه معارضو التصوف، لم يقله الصوفية أنفسهم، فهم يسمونه وحدة الموجود، أما الآخرون فيخلطون بينهما، فالموجود متعدد سماء وأرض وجبال وأناس، أما الوجود الواحد فلا شك فيه، هو وجود الله المستغنى بذاته عن غيره، الذي منح الوجود لكل كائن وليس لكائن غيره.
بعد توليه منصب مشيخة الأزهر، كان له العديد من المواقف القوية في التعامل مع الأزمات السياسية بمنطق الحكمة والقدرة، ولعل في مقدمتها مناداته بعودة الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية بعد سقوط الاحتلال الإنجليزي الذي أسقطها ليحل بديلًا عنها أحكام مدنية تُخالف الشرع، خاصة في جميع الأحكام والمواد الجنائية والمدنية والدستورية والدولية.
تصدي الشيخ بعد عام من توليه المنصب قرار الرئيس الراحل محمد أنور السادات بتقليص بعض صلاحيات رأس المؤسسة الأزهرية، ليتقدم باستقالته، الأمر الذي أحدث دويًا هائلًا في مصر وسائر أنحاء العالم الإسلامي؛ ليضطر السادات بالتراجع وإصدار قرار أعاد فيه الأمر إلى سابق عهده، وتضمن القرار أن يعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، ويكون ترتيبه في الأسبقية قبل الوزراء مباشرة، ويكتسب شيخ الأزهر حصانة في منصبه غير القابل للعزل، إضافة إلى أن تقاعده لن يكون قبل 25 عامًا على الأقل.
عارض الإمام قانون “جيهان السادات” للأحوال الشخصية، وأكد عدم مطابقة بعض مواده للشريعة الإسلامية، ومع ذلك أصرت الدولة على إصداره فرفض بشدة، ولوح باستقالته، فتم التراجع قليلًا ثم أعادوا المحاولة مرة أخرى قبل وفاة الشيخ، إلا أنه قال: “بعد قليل لن تجدونى ولن تحتاجوا إلى للموافقة على صدور القانون” وبعدها توفى الشيخ، ولم يصدر القانون.
عرف عنه دعوته إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، حيث خاطب كل من سيد مرعي رئيس مجلس الشعب، وممدوح سالم رئيس مجلس الوزراء بضرورة الإسراع في تطبيقها، قائلًا: “لقد آن الأوان لإرواء الأشواق الظامئة في القلوب إلى وضع شريعة الله بيننا في موضعها الصحيح ليبدلنا الله بعسرنا يسرا وبخوفنا أمنا”.
ألف الشيخ عدد من المؤلفات جاء في مقدمتها ” قضية التصوف: المنقذ من الضلال، الحمد لله هذه حياتي، فتاوى عن الشيوعية، سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي، تاج الصوفية أبو بكر الشبلي، وغيرها”.
وفي 17 من أكتوبر عام 1978، رحل الشيخ عن عمر ناهز 68، بعدما شعر بألم شديد، عقب عودته من الأراضي المقدسة، أجرى على إثرها عملية جراحية، تُوفى بعدها.

التعليقات

اترك تعليقاً