التخطي إلى المحتوى
فرسان الأمس :بقلم رجائي عطية

نشر فى : الأربعاء 14 أغسطس 2019 – 10:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 14 أغسطس 2019 – 10:05 م

راودنى منذ سنوات، أن أغوص فى التاريخ القريب والبعيد، لأستحضر حكايات ثوار ولكن فرسان، لم يفارقوا فى ثورتهم مبادئ الفروسية، ومصالح البلاد والعباد.. ضربوا أمثلة حية لا تزال باقية فى التاريخ، تشجب وتدمغ أدعياء اليوم، من الإرهابيين والمتطرفين وزاعمى الثورة، بينما يلتفون إهلاكًا واغتيالا لبنى جلدتهم، ويدمرون الوطن ويأتون على الأخضر واليابس فيه، وينشرون الهلاك والخراب أينما طالت أيديهم الملوثة بالدماء، كعقولهم الملتاثة بالضلال!
اشرأب أمامى لأول وهلة، فارس فدائى، هو سليمان الحلبى، السورى شهيد الوطن المصرى، فكتبت عنه منذ سنوات، ضمن طائفة من فرسان الإسلام، وفرسان مصر.. أبوذر الغفارى الصادق اللهجة عدو الثروات، والفارس الثائر ومحمد كريم البطل حتى الموت، والفارس النبيل الثائر عمر مكرم، وأحمد عرابى الثائر الفارس المفترى عليه، فضلا عن فارس الصبر عبدالله النديم، ومصطفى كامل باعث الحركة الوطنية فى مطلع القرن الماضى، والفارس النبيل محمد فريد شهيد الوطنية المصرية.
سليمان الحلبى
ظللت لسنوات طويلة، لا أسلك طريقى فى وسط القاهرة من شارع الألفى إلى شارع ديزريه الموازى له، إلاَّ عبر شارع «سليمان الحلبى»، احترامًا ووفاء لذكرى هذا الفدائى البطل الذى بذل حياته رخيصة لأمته، وهو سورى، ولكنه مؤمن بالعروبة، وبأن سوريا ومصر، شأنهما شأن باقى الأقطار العربية، يشكلون أمة العرب.
لم يتحرك دارس الأزهر ليقتل واحدًا من بنى جلدته، كما صرنا نرى اليوم للأسف، ولا لبث الفتنة والفوضى فى ربوع الوطن، كما صارت بُغْية أدعياء الثورة الجدد، وإنما نظر إلى «قائد» الطغمة الباغية التى جاءت عبر البحار لتغزو بلده، نعم إن مصر هى بلده كما أن سوريا بلده، ففيها يعيش، ويتلقى العلم فى أزهرها الشريف.
ولد فارسنا الثائر سنة 1777م فى حلب الشهباء، وعرف منذ صغره بصلاحه واستقامته وتدينه، وجاء إلى مصر يتلقى العلم وينهل من فيوض الأزهر الشريف، وتلقى فيه العلم نحو ثلاث سنوات، ثم عاد إليها فهاله ما رأى عليه غزو الفرنسيين لمصر قلب العرب، وتجبر هذه الطغمة التى دنست بسنابك الخيل الأزهر الشريف، وصلف وغطرسة وتجبر الجنرال «كليبر» الذى حل محل نابليون الذى غادر إلى بلاده، فى قيادة الحملة الغشوم.
أضمر سليمان الحلبى اغتيال الجنرال كليبر، وطفق يجمع المعلومات، عن سلوكه وحياته وسكنه بسراى الألفى بالأزبكية، حيث كان الجنرال معنيًا بإزالة آثار الإتلاف التى أصابتها من قنابل الثوار، وفى اليوم الموعود، انصرف كليبر ومعه المهندس بروتان إلى دار «القيادة العامة» المجاورة، ليستأنفا تفقد أعمال الترميم والإصلاح بها، وكانت حديقة السراى تتصل بدار الجنرال ديماس برواق طويل تظله تكعيبة من العنب، وحال سير الجنرال كليبر وبجانبه بروتان، خرج عليهما سليمان الحلبى من مكمنه من وراء بئر عليها ساقية، وعاجل الجنرال بطعنة خنجر مميتة أصابته فى صدره، وصاح الجنرال مستنجدًا بحرّاسه، وجرى بروتان خلف الحلبى، إلاَّ أنه طعنه عدة طعنات سقط منها إلى جوار كليبر الذى عاد إليه الحلبى فطعنه بثلاث طعنات أخرى ليتأكد من الإجهاز عليه.
طيش صواب المحتلين!
ومع طيش صواب الفرنسيين، طاشت الاتهامات وتعددت، حتى طالت شيخ الأزهر عبدالله الشرقاوى وقاضى مصر الشيخ أحمد العريشى، واحتجزهما الفرنسيون فلما لم يجدوا عليهما دليلا، ضغطوا عليهما للإرشاد عمّا عساه كان فى عون الحلبى أو على علم بما ارتكبه، بينما عذبوا سليمان الحلبى بشتى صنوف العذاب، لإكراهه على الاعتراف، فلم يعترف إلاّ على نفسه، وبأنه فى الرابعة والعشرين، ووالده تاجر بحلب، وعاد خصيصًا للقاهرة لقتل الجنرال كليبر ومكث بها واحدًا وثلاثين يومًا حتى تمكن من تحقيق غايته.. وروى كيف تحرك مساء 13 يونيو ليلة الواقعة، وكيف ارتكبها فى 14 يونيو بعد أن تتبع خط سير الجنرال حتى تمكن من طعنه.
الجنرال مينو وتشكيل المحكمة العسكرية الفرنسية
كان الجنرال مينو الذى خلف كليبر على رأس المحققين، وأصدر فى نفس يوم الواقعة أمرًا بتأليف محكمة عسكرية لمحاكمة الحلبى ومن ظنوا أنهم عرفوا منه بنبأ ما يزمعه ولم يمنعوه أو يبلغوا عنه، وانعقدت المحكمة فى اليوم التالى 15 يونيو، وأكد الحلبى أن الأربعة الذين كاشفهم بعزمه من الطلاب الأزهريين نصحوه بالإقلاع عما اعتزمه، بينما نفى أحدهم علمه أساسًا، ونفى الحلبى أنه أفضى بما ينتويه إلى المدرس التركى مصطفى أفندى، كما نفى عن شيوخ الأزهر، ومع أن التحقيق كان ميَّالا لإثبات علم الشيخ عبدالله الشرقاوى شيخ الأزهر بنية القتل، إلاَّ أن التحقيق أخفق فى الوصول إلى ما يدينه أو أحد شيوخ الأزهر، وتخلل التحقيق صنوفا شتى من التعذيب لتوسيع دائرة الإدانة، ولم يظفر التحقيق رغم شدة التعذيب بما يدين شيخ الجامع الأزهر أو أحدًا من شيوخه.
وعلى ذلك اقتصر الاتهام على ستة، سليمان الحلبى وأربعة طلاب أزهريين قيل إنهم علموا بعزمه وهم محمد الغزى، وأحمد الوالى، وعبدالله الغزى، وعبدالقادر الغزى، وكذلك مصطفى أفندى البروسة المدرس التركى الذى بات عنده حين حضوره لمصر، ولكنهم لم يمنعوه أو يبلغوا عنه، فحوكموا معه حضوريًّا عدا عبدالقادر الغزى فكان هاربًا وحوكم غيابيًّا.
سُبة المحاكمة والتنفيذ!
انعقدت المحكمة العسكرية يوم 16 يونيو، وصدر الحكم بإدانة سليمان الحلبى والطلاب الأربعة الأزهريين، وبراءة مصطفى أفندى المدرس التركى وإطلاق سراحه.
أما الحكم فيظل سُبَّة بما طوى عليه من عنفٍ شنيع، فقد قضت المحكمة بإحراق يد سليمان الحلبى اليمنى، ثم إعدامه على الخازوق (وما أدراك ما الإعدام على الخازوق)، ثم ترك جثته تأكلها الطير!
كما قضى الحكم بإعدام الطلاب الأزهريين الأربعة وإدانتهم خطأ فاحش، لأن المرء لا يسأل إلاَّ إذا اتفق أو حرض أو ساعد على ارتكاب الجريمة، ولا محل لمساءلته عن عدم المنع أو التراخى فى الإبلاغ، هذا وقد نفذ الفرنسيون إعدامهم بقطع رءوسهم وإحراق جثثهم بعد الإعدام ــ مع مصادرة أملاك المتهم الغائب عبدالقادر الغزى.
* * *
من المؤسف الذى آلمنى، أن كثيرًا من الموسوعات ودوائر المعارف خلت من إيراد شىء عن هذا الفارس الثائر المغوار، سليمان الحلبى، ولولا الجبرتى والرافعى وبعض كتب التاريخ التى نقلت عنهما، لما وجدنا ما يكفى لسيرة بطولة هذا الثائر الفارس الذى بذل حياته فداءً لعروبته، لولا الشارع الفرعى المسمى باسمه الذى يصل شارع الألفى بالشارع الموازى له، وأتعمد أن أسير فيه لأترحم عليه وأقرأ الفاتحة لروحه الطاهرة. رحمه الله وطيب ثراه.