التخطي إلى المحتوى
ضلوع البشير وقطر في محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا.. أسرار جديدة عن العملية

24 عامًا مرت على محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك في إثيوبيا ولا تزال هناك أسرار مدفونة مع الزمن ولكن في الفترة الأخيرة بدأت بعض من تلك الأسرار تُكشف مع سقوط العديد من الأنظمة العربية.

ففي تقرير نشره موقع “عاجل” السعودي تم الإفصاح عن العديد من الخبايا والأسرار وراء تلك العملية الإرهابية والتي وصفها البعض بالأخطر خلال نهايات القرن الـ20 والتي كانت من الممكن أن تغير من الشكل اللوجيستي لمنطقة الشرق الأوسط بالكامل ولكنها باءت بالفشل في النهاية، وفي التالي أبرز ما تم الإفصاح عنه:

فمع سقوط الرئيس السوداني عمر البشير ونظامه بدأت خيوط اللعبة تتفكك خاصة مع ظهور أدلة جديدة أثناء التحقيق معه بشأن قضية محاولة اغتيال مبارك في السادس والعشرين من يونيو عام 1995، حيث وجهت النيابة العامة السودانية والمتولية التحقيق مع الرئيس المعزول اتهامات مباشرة بشأن مشاركته في العملية الإرهابية تحت بند الجرائم الخارجية.

وأوضحت مصادر دبلوماسية وسياسية مطلعة، أن هذه العملية الإرهابية أساءت للدولة السودانية اآنذاك ووضعتها في مربع دعم الإرهاب، بحكم الشخصيات التي حامت حولها الشبهات “تخطيطًا، ودعمًا، وتنفيذًا” ما كان له أثر مباشر على عموم المواطنين السودانيين، كاشفين عن تفاصيل مثيرة جرت خلال مواجهة البشير وعدد من أركان حكمه ومحاولة تنصلهم مما حدث على تلك المحاولة التي انعكس تأثيرها على المنطقة العربية طوال الـ24 عامًا الماضية.

وخلال هذه العملية تم  قتل 5 من المهاجمين، واثنان من ضباط الشرطة الإثيوبية، كما أصيب السفير الفلسطيني في قدمه، لافتين إلى أن هناك ثلاثة محاور تمت في هذه العملية أولها “التخطيط، والتنفيذ، والدعم اللوجستي” من أطراف عدة “سودانية، إيرانية، قطرية” لمساعدة العناصر المنفذة.

والمفاجئ في الأمر أن العملية سبقت “بيوم واحد فقط” وهو يوم 27 يونيو 1995، تاريخ انقلاب أمير قطر السابق، حمد، على والده الشيخ خليفة آل ثاني، فور سفره في إجازة خاصة إلى سويسرا، ليسارع حمد بترتيبات مع حلفاء إقليميين ودوليين إلى عزل والده، وتولى مقاليد الحكم، حيث ربطت المصادر  بين محاولة الاغتيال، وواقعة انقلاب أمير قطر التي كان “حمد آل ثاني”، مطلعا على مخططها “مع أطراف أخرى” بالتزامن مع هندسته لعملية الانقلاب الداخلي التي نفذها ضد والده.

وخصص أمير  قطر السابق، حمد آل خليفة، مبالغ مالية طائلة؛ لشراء ذمم دول إقليمية، حتى لا تتعاطف مع مصر في حال نجاح محالة اغتيال مبارك، فقد أسفرت عملية تفتيش مقر إقامة الرئيس المخلوع، عمر البشير، عن ضبط مبالغ مالية سائلة في حقائب تصل قيمتها إلى أكثر من 113 مليون دولار، تم العثور عليها، الأمر الذي بات محل شك لوقوع علاقة مثيرة ووثيقة تربط بين البشير والنظام القطري.

والخطوة التي اتخذتها السودان للتحقيق مع البشير ونظامه في عمليه محاولة اغتيال مبارك تسببت في حالة من القلق غير المسبوق في الدوحة، التي شرع نظامها في تخصيص ميزانية مفتوحة للإطاحة بالمجلس العسكري الحاكم، بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، الذي رفض منذ البداية التعاطي مع نظام الدوحة، كونه مطلعا على مئات الوثائق التي تثبت كيف ورطت قطر “في عهد الأمير الوالد” عشرات القيادات في ملفات إقليمية مثيرة للريبة، من بينها الضلوع في محاولة اغتيال مبارك.

وزعم رئيس حزب الأمة السوداني، مبارك الفاضل، في وقت سابق أن بحوزته “ملفات تؤكد تورط النظام السابق في دعم جماعات خارجية، وتدريب كوادر حركات إسلامية من دول أوروبية وعربية داخل السودان، وأنه تم السماح لها لمعظم كوادر هذه الجماعات بدخول البلاد دون ختم جوازات السفر الخاصة بهم اَنذاك للاشتراك في محاولة اغتيال مبارك”.

وكانت تفاصيل الحادثة كما أذاعها الإعلام المصري حينها كالتالي: “بعد وصول الوفد المصري لدي مؤتمر القمة الإفريقي إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا تمت مراسم الاستقبال الرسمي في المطار، حيث كان الرئيس ميليس زيناوي علي رأس المستقبلين، ورحب بالرئيس مبارك وودعه إلى السيارة التي تقله إلى مقر المؤتمر، وأثناء سير الركب المقل للوفد تعرضت بعض سياراته لطلقات من أسلحة نارية يحملها بعض الأفراد وسارعت قوة الحراسة المصرية

المصاحبة للوفد بالرد علي هذا الهجوم الإجرامي المباغت، وتمكنت من إصابة ثلاثة من المهاجمين لقي اثنان منهم مصرعهما”.

وخرج الرئيس مبارك على الشعب حينها ليلقي كلمه بشأن ما حدث، حيث قال: “بعد هبوطنا في مطار إثيوبيا، لاحظنا تأخر الحراسة الإثيوبية المرافقة لنا، ثم رفضهم اصطحاب حراستي الشخصية للطبنجات.. انطلق الموكب نحو مقر القمة، لكن فوجئنا بسيارة زرقاء تسد الطريق.. ترجل مجموعة من الأشخاص، وفتحوا النيران على سيارتي، حراستي أخذت أماكنها، وتعاملت معهم.. سمعت صوت طقطقة.. أصابوا السيارة بطلقتين.. لمحت شاب صغير السن يحمل رشاشًا ويتجه نحو السيارة، لكن الحرس أصابوه، وظلوا محافظين على هدوئهم.. أمرت سائقي بالعودة إلى المطار مجددا.. عقب عودتي للمطار وجدت الرئيس الإثيوبي مضطرب للغاية.. أبلغته بأنني متوجه فورا للقاهرة.. تفهم موقفي.. اكتشفنا لاحقا أن الفيلا التي كانت تسكنها المجموعة المتورطة في الحادثة كانت مؤجرة من قبل.. الإرهابيون لم يخرجوا من السفارة الفلسطينية مثلما تداول البعض، لكن من فيلا كانت قريبة من مقر السفارة…”.

تقول المعلومات إن من خططوا للعملية اختاروا شارع “بولى”، في أديس أبابا، كونه شارعًا رئيسيًّا به مقر الاتحاد الإفريقي، ومبان أخرى رسمية فاخرة، ومن ثم تم استئجار مبنى مجاور، حيث كان اختيار المبني لقربه من الميدان الرئيسي، ومناسبته لعملية التنفيذ، كون الموكب الرئاسي عند وصوله للميدان سيخفف من سرعة سياراته، وعليه يسهل استهدافه، بحسب التدريبات التي تلقتها عناصر التنفيذ في مزرعة تابعة لأسامة بن لادن في منطقة “سوبا” بالخرطوم، وتم تمثيل العملية على أرض مشابهة للخطة الأصلية لمعالجة أي أخطاء أو ثغرات يمكن أن تحدث مستقبلًا خلال التنفيذ الفعلي.

وفي وقت سابق، روى اللواء حامد شعراوي “قائد الحرس الخاص للرئيس مبارك، خلال الفترة من عام 1989 حتى عام 2004″ن حيث قال: “يوم حادث أديس أبابا، كنا 6 ضباط حراسة خاصة بمن فيهم أنا.. ركبنا سيارة إثيوبية بطيئة بعض الشيء.. كانت تسير علي مسافة 300 متر خلف سيارة الرئيس مبارك.. فجأة، وجدنا الموتوسيكل الإثيوبي الذي يسبق سيارة مبارك يسقط أرضًا، إثر طلقات نارية من بنادق آلية من مبنى على الطريق.. فوجئنا أيضا بمهاجمين آخرين يطلقان النار من رشاشين باتجاه سيارة الرئيس.. خرجنا في لمح البصر من السيارة التي تقلنا.. كانت المشكلة أن تسليحنا عبارة عن طبنجات خزنة الواحدة منها 15 طلقة، بينما المسافة بيننا وبين المهاجمين 300 متر، ولتعويض هذه الفجوة جرينا بأقصى سرعة نحو سيارة الرئيس، ونظمنا تشكيلًا قتاليًّا، ونحن نجري تجاه الرئيس، ورغم أن النيران كانت كثيفة جدًّا إلا أننا أسقطنا 3 من المهاجمين صرعى وهربت العناصر الإجرامية التي حاولت تنفيذ عملية الاغتيال، وانسحبنا نحن الستة في تشكيل معين وأخذنا سيارة إثيوبية واتجهنا للمطار، وقمنا بتنفيذ خطة احتياطية شاملة لتأمين عودة الرئيس إلى مصر، بعد أن علمنا بأن المخطط يشمل كمين آخر.. استحضرنا كل خبرتنا باعتبارنا آخر نطاق أمني حول الرئيس.. قناعتنا الدائمة بأن اختراق هذا النطاق يعنى نجاح المهاجمين في مهمتهم، ومن ثم نجحنا والحمد لله في حماية الرئيس أولًا، ثم إخلاؤه لاحقًا من موقع الحدث قبل عودتنا للقاهرة”.

من جانبه، قال اللواء شفيق البنا، رئيس للإدارة المركزية لرئاسة الجمهورية المصرية في عصر مبارك، حول كواليس محاولة اغتيال مبارك: “وصلتنا معلومات قبل المحاولة الفاشلة بأسبوع.. تم طرح الملف علي لجنة الأمن الخاصة بالرئاسة، ولأن الاعتذار عن سفر الرئيس لم يكن مستحبًّا، لذا تم الاتفاق على سفر السيارة المرسيدس المصفحة

مع الموكب، بإصرار من مدير جهاز المخابرات، اللواء عمر سليمان.. كان مسموحًا لكل رئيس دولة بحارسين، فقررنا إرسال 6 حراس وزودناهم بالتسليح الكافي، برئاسة اللواء حامد شعراوي، كان من المفترض أن تخصص لنا الحكومة الإثيوبية 4 سيارات للحراسة، لكننا فوجئنا بسيارة واحدة فقط، وعند بدء تنفيذ المحاولة تم فتح الرصاص علي السيارة من بعد 5 أمتار، وكانت مهمة الحرس إخلاء الرئيس من الموقع وتبين أن كمين الاغتيال كان مكونًا من ثلاث نقاط، وحدثت مشكلة بين أفراد الكمين الأوسط المهاجم وضابط إثيوبي حاول إبعادهم عن الطريق فاضطروا لقتله فسمع أفراد الكمين الأول والأخير صوت الرصاص فظنوا أن التنفيذ بدأ وتحركوا وهذا ما مكن أفراد حراسة الرئيس من التعامل معهم”.

قبل تنفيذ العملية رصدت العناصر الإرهابية المكلفة بـ”المراقبة”، طائرة مبارك بمناظير مكبرة وهى تهبط في مطار أديس بابا، وكانت هناك مجموعة أخرى مكلفة بالاشتباك مع الحراسات من الجانبين “الإثيوبي، والمصري” بأسلحة آلية، وتحسبت عناصر التخطيط لاحتمال أن تكون سيارة مبارك مصفحة، ومن ثم تضمنت الخطة استخدام قذائف “آر بي جي”، لتفجير السيارة، وبادرت مجموعة متخصصة بنصب كمين متفجرات.

وكان من بين المشاركين في محاولة الاغتيال 8 مصريين، وبعدها ألقت أجهزة الأمن الإثيوبية القبض على بعض المشاركين في العملية فيما عادت عناصر أخرى مشاركة في التنفيذ “مصرية، وسودانية” إلى الخرطوم، حيث اوضحت التحقيقات الإثيوبية بعدها عن تورط عناصر بارزة في النظام السوداني، وأنهم قدموا العديد من التسهيلات لفريق الاغتيال عبر منح أفراد فيه جوازات سفر سودانية، ونقل الأسلحة عبر الحقائب الدبلوماسية، وتوفير الدعم لهم من خلال المنظمات الخيرية الإسلامية، مع رصد مبلغ مالي تصل قيمته إلى 5 ملايين دولار وهى التفاصيل التي أكدها متهمون في العملية صراحة.

وفيما تقول المعلومات إن تنسيقا تم بين قيادات سودانية بارزة وبين تنظيم “الجماعة الإسلامية” في مصر، تتضمن سبل الدعم من خلال توفير الأسلحة والغطاء الآمن والتمويل والتدريب، حيث أوضحت المصادر أن المنفذين بقيادة مصطفى حمزة “المتهم الأول في قضية أديس أبابا” سافروا إلى إثيوبيا قبل العملية بنحو 15 يومًا وتم استطلاع كيفية التنفيذ.

لماذا تم اختيار إثيوبيا بالتحديد لتنفيذ عملية اغتيال مبارك؟

وبحسب علي الشريف، القيادي بالجماعة ومسؤول التنظيم باليمن، خلال الفترة من عام 1992 حتى عام 2004، قبل ترحيله منها، أنه وقع الاختيار على العاصمة الإثيوبية لتنفيذ العملية لأنها “لم تتمتع بنظام أمني جيد مثل مصر، حيث أشار أن هذه كانت صفة عامة في ذلك الوقت في كل دول إفريقيا، بدليل أنه حينما ذهب إلى نيجيريا خرج من المطار بجواز السفر دون أن يختمه.

 

لا ينكر المتهمون “بحسب مقطع فيديو” أن محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا جرى التخطيط والتدبير لها في العاصمة السودانية، الخرطوم، وأنهم استفادوا من التسهيلات التي أتاحتها وجود “الجبهة الإسلامية” في السودان، بزعامة حسن الترابي، وأن العناصر المنفذة تم تجنيدهم في مصر، ومروا باختبارات متعددة لنيل الثقة.

 

وتقول معلومات أنه بعد فشل العملية سارع “البشير”، باستدعاء الترابي للتشاور حول الملف الكارثي الذي بات يهدد النظام نفسه، وبحث كيفية الخروج من تلك الورطة، حيث اقترح الترابي على البشير “ترك الأمور تسير بصورة عادية، حتى لا يقال إن النظام له دخل بمحاولة الاغتيال، وأن يبقي علي عثمان طه في موقعه، وزيرًا للخارجية، مع نقل نافع علي نافع من جـهاز الأمن موقع آخر كبير، حتى لا تفسر عملية الإطاحة بهما باعتبارها اعتراف رسـمي بالضلوع في محاولة الاغتيال” وعلى الفور وافق البشير علي اقتراح الترابي، أملًا في انتهاء الأزمة، وتحسين صورة النظام.

 

واعترف الترابي في لقاء تلفزيوني موثق “برنامج العين الثالثة، على قناة العربية، 17 مارس 2006” بأنه على استعداد للإدلاء بشهادة ضد مسؤولين سياسيين كبار في السودان، إضافة لقادة أمنيين سابقين، اتهمهم بالضلوع في محاولة اغتيال مبارك، وأن “أطرافًا في الحكومة السودانية قامت بقتل ضباط أمن سودانيين كانوا ضالعين في محاولة اغتيال مبارك، أو كانوا على علم بها”، دون أن ينكر الترابي الزيارات المنزلية المتبادلة مع أسامة بن لادن، بحكم الجيرة في الخرطوم، مشيرًا إلى أن “بن لادن لم يكن له علاقة بمحاولة اغتيال مبارك”.

 

الملاحظ، أن خطة تنفيذ محاولة اغتيال مبارك كانت تتعمد تضخيم الخلاف بين قيادة الجماعة الإسلامية في مصر والحكومة المصرية، لإظهار عملية الاغتيال في صورة انتقام داخلي مرتبط بمظلومية سياسية- أمنية، وهو ما توافقت عليه الأطراف التي أدارت العملية من خلف ستار في السودان، لاسيما قطر وإيران، حيث كانت مصالح طهران متوافقة مع معظم جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي العاملة في المنطقة العربية، وعليه، كانت إيران ترى أن اغتيال حسني مبارك سيغير خريطة المنطقة، وأنه بعد تنفيذ العملية ستسارع بإرسال أعداد كبيرة من قواتها لاحتلال منطقة شرق السودان واعتبارها منطقة عسكرية تحت مظلة الحكومة السودانية.

 

وعن دور قطر فإن إحدى القضايا التي تداولتها المحاكم الأمريكية كشفت عن دور مؤسسة “قطر الخيرية” والتي تم وضعها لاحقا على قوائم الجمعيات الممولة للإرهاب في تمويل محاولة اغتيال مبارك.